محمد بن جرير الطبري

528

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وكتب فيها : ان ادع صديقك الذي أضللت به قومك فليبارزنى بجنوده ، وليظهر لي مع ما انى اعلم أنه لن يطيقنى هو ولا غيره ، لانى انا زرح الهندي الملك . فلما قرأ اسا الكتب التي قدم بها عليه هملت عيناه بالبكاء ، ثم دخل مصلاه ، ونشر تلك الكتب بين يدي الله ، ثم قال : اللهم ليس لي شيء من الأشياء أحب إلى من لقائك ، غير انى أتخوف ان يطفأ هذا النور الذي أظهرته في أيامي هذه ، وقد حضرت هذه الصحائف وعلمت ما فيها ، ولو كنت المراد بها كان ذلك يسيرا ، غير أن عبدك زرحا بكايدك ويتناولك ، فخر بغير فخر ، وتكلم بغير صدق ، وأنت حاضر ذلك وشاهده . فأوحى الله إلى اسا - والله اعلم - انه لا تبديل لكلماتى ، ولا خلف لموعدى ، ولا تحويل لأمري ، فأخرج من مصلاك ، ثم مر خيلك ان تجتمع ، ثم اخرج بهم وبمن اتبعك حتى تقفوا على نشز من الأرض . فخرج اسا فأخبرهم بما قيل له ، فخرج اثنا عشر رجلا من رؤسائهم ، مع كل رجل منهم رهط من قومه ، فلما ان خرجوا ، ودعوا أهاليهم بالا يرجعوا إلى الدنيا فوقفوا لزرح على رابيه من الأرض فابصروا منها زرحا وقومه ، فلما ابصرهم زرح نفض رأسه ليسخر منهم ، وقال : انما نهضت من بلادي ، وأنفقت أموالي لمثل هؤلاء ! ودعا عند ذلك بالنفر الذين كانوا نعتوا عنده اسا وقومه ، فقال : كذبتموني وزعمتم ان قومكم كثير عددهم ! فامر بهم وبالامناء الذين كان بعثهم ليخبروه خبرهم ، فقتلوا جميعا ، واسا في ذلك كثير تضرعه ، معتصم بربه ، فقال زرح : ما ادرى ما افعل