محمد بن جرير الطبري

520

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فأذعنوا له بالطاعة ، وانقطعت فيما بينهم وبينه كل حيله ، وقالوا : قد فعل هذا بأمه ، فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في امره ، ولم نجبه إلى دينه ! فاحتالوا له كل حيله ، فحفظه الله واباد مكرهم فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر ، ولا على فراق دينهم قوام ، ائتمروا بان يهربوا من بلاده ، ويسكنوا بلادا غيرها ، فخرجوا متوجهين إلى زرح ملك الهند يطلبون ان يستحملوه على اسا ومن اتبعه ، فلما دخلوا على زرح سجدوا له ، فقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن عبيدك ، قال : واى عبيدي أنتم ؟ قالوا : نحن من أرضك ارض الشام ، وانا كنا نعتز بملك ، حتى ظهر فينا ملك صبي حديث السن سفيه ، فغير ديننا ، وسفه رأينا ، وكفر آباءنا ، وهان عليه سخطنا ، فاتيناك لنعلمك ذلك ، فتكون أنت أولى بملكنا ، ونحن رؤوسهم ، وهي ارض كثير مالها ، ضعيف أهلها ، طيبه معيشتها ، كثيره انضارها ، وفيهم الكنوز وملك ثلاثين ملكا ، وهم الذين كان يوشع بن نون خليفه موسى سار بهم في البحر هو وقومه ، فنحن وأرضنا لك ، وبلادنا بلادك ، وليس أحد فيها يناصبك ، هم دافعون أيديهم إليك بغير قتال ، بأموالهم وأنفسهم مسالمه . قال : لهم زرح : لعمري ، ما كنت لأجيبكم إلى ما دعوتموني اليه ، ولا استجيب إلى مقاتله قوم لعلهم أطوع لي منكم ، حتى ابعث إليهم من قومي أمناء ، فان وقع الأمر على ما تكلمتم به قدامي نفعكم ذلك عندي ، وجعلتكم عليها ملوكا ، وان كان كلامكم كذبا فانى منزل بكم العقوبة التي تنبغى لمن كذبني . قال القوم : تكلمت بالعدل ، وحكمت بالقسط ، ونحن به راضون . فامر عند ذلك بالأرزاق فأجريت عليهم ، واختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس ، فأوصاهم بوصيته ، وخوفهم وحذرهم بطشه ان هم كذبوه ،