محمد بن جرير الطبري
473
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه ، فقال له : يا فتى ، ارجع فانى أرحمك ان أقتلك ، فقال داود : لا بل انا أقتلك فأخرج الحجارة فوضعها في القذافة ، كلما رفع منها حجرا سماه ، فقال : هذا باسم أبى إبراهيم ، والثاني باسم أبى إسحاق ، والثالث باسم أبى إسرائيل ، ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا ، ثم ارسله فصك به بين عيني جالوت فنقبت رأسه ، ثم قتلته ، فلم تزل تقتل كل انسان تصيبه تنفذ فيه ، حتى لم يكن بحيالها أحد ، فهزموهم عند ذلك ، وقتل داود جالوت ، ورجع طالوت فانكح داود ابنته ، واجرى خاتمه في ملكه ، فمال الناس إلى داود واحبوه . فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وجسده ، وأراد قتله ، فعلم داود انه يريده بذلك ، فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود ، فضرب الزق ضربه فخرقه ، فسالت الخمر منه ، فوقعت قطره من خمر في فيه ، فقال : يرحم الله داود ، ما كان أكثر شربه للخمر ! ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم ، فوضع سهمين عند رأسه ، وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين سهمين ، ثم نزل فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال : يرحم الله داود ، هو خير ، منى ، ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عنى ! ثم إنه ركب يوما فوجده يمشى في البرية ، وطالوت على فرس ، فقال طالوت : اليوم اقتل داود - وكان داود إذا فزع لم يدرك - فركض على اثره طالوت ، ففزع داود ، فاشتد فدخل غارا ، فأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا ، فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت ، فقال : لو كان دخل هاهنا لخرق بيت العنكبوت ، فخيل اليه فتركه . وطعن العلماء على طالوت في شان داود ، فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن داود الا قتله ، وأغراه الله بالعلماء يقتلهم ، فلم يكن يقدر في بني إسرائيل على عالم يطيق قتله الا قتله ، حتى اتى بامرأة تعلم اسم الله الأعظم ، فامر الخباز ان يقتلها ،