محمد بن جرير الطبري
474
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فرحمها الخباز ، وقال : لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها ، فوقع في قلب طالوت التوبة وندم ، واقبل على البكاء حتى رحمه الناس ، وكان كل ليله يخرج إلى القبور فيبكى ، وينادى : انشد الله عبدا علم أن لي توبه الا أخبرني بها ! فلما أكثر عليهم ليالي ناداه مناد من القبور : ان يا طالوت ، أما ترضى ان قتلتنا احياء حتى تؤذينا أمواتا ! فازداد بكاء وحزنا ، فرحمه الخباز فكلمه فقال : مالك ؟ فقال : هل تعلم لي في الأرض عالما اساله : هل لي من توبه ؟ فقال له الخباز : هل تدرى ما مثلك ؟ انما مثلك مثل ملك نزل قريه عشاء فصاح الديك ، فتطير منه فقال : لا تتركوا في القرية ديكا الا ذبحتموه ، فلما أراد ان ينام قال : إذا صاح الديك فايقظونا حتى ندلج ، فقالوا له : وهل تركت ديكا يسمع صوته ! ولكن هل تركت عالما في الأرض ! فازداد حزنا وبكاء ، فلما رأى الخباز منه الجد ، قال : ا رأيتك ان دللتك على عالم لعلك ان تقتله ! قال : لا ، فتوثق عليه الخباز ، فأخبره ان المرأة العالمة عنده ، قال : انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبه ؟ وكان انما يعلم ذلك الاسم أهل بيت ، إذا فنيت رجالهم علمت النساء ، فقال : انها ان راتك غشى عليها ، وفزعت منك ، فلما بلغ الباب خلفه خلفه ، ثم دخل عليها الخباز ، فقال لها : ا لست أعظم الناس منه عليك ؟ انجيتك من القتل ، وآويتك عندي قالت : بلى ، قال : فان لي إليك حاجه ، هذا طالوت يسألك : هل له من توبه ؟ فغشى عليها من الفرق ، فقال لها : انه لا يريد قتلك ، ولكن يسألك : هل له من توبه ؟ قالت : لا ، والله ما اعلم لطالوت توبه ، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي ؟ قالوا : نعم ، هذا قبر يوشع بن نون ، فانطلقت وهما معها اليه ، فدعت ، فخرج يوشع بن نون ينفض رأسه من التراب ، فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال : ما لكم ؟ ا قامت القيامة ؟ قالت : لا ، ولكن طالوت يسألك : هل له من توبه ؟ قال يوشع : ما اعلم لطالوت من توبه الا ان يتخلى من ملكه ، ويخرج هو وولده فيقاتلون بين يديه في سبيل الله ، حتى إذا قتلوا شد هو فقتل ، فعسى ان يكون