محمد بن جرير الطبري

468

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

دعوتني ! فكره الشيخ ان يقول : لا فيفزع الغلام ، فقال : يا بنى ، ارجع فنم ، فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فلباه الغلام أيضا ، فقال : دعوتني ! فقال ارجع فنم ، فان دعوتك الثالثة فلا تجبني ، فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل ع فقال : اذهب إلى قومك فبلغهم رساله ربك ، فان الله قد بعثك فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلت بالنبوة ولم يألك وقالوا : ان كنت صادقا فابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله ، آية من نبوتك ، قال لهم سمعون : عسى ان كتب عليكم القتال الا تقاتلوا . قالوا وما لنا الا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا بأداء الجزية ، فدعا الله فاتى بعصا ، تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا ، فقال : ان صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا ، فقاسوا أنفسهم بها ، فلم يكونوا مثلها ، وكان طالوت رجلا سقاء يستقى على حمار له ، فضل حماره ، فانطلق يطلبه في الطريق ، فلما راوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها ، وقال لهم نبيهم : « إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً » قال القوم : ما كنت قط اكذب منك الساعة ، ونحن من سبط المملكة ، وليس هو من سبط المملكة ، ولم يؤت أيضا سعة من المال فنتبعه لذلك ، فقال النبي : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ » ، فقالوا : فان كنت صادقا فاتنا باية ان هذا ملك ، قال : « إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ » . والسكينة طست من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء ، أعطاها الله موسى ، وفيها وضع الألواح ، وكانت الألواح - فيما بلغنا - من در وياقوت وزبرجد ، واما البقية فإنها عصا موسى ورضاضه الألواح ، فأصبح التابوت وما فيه في دار