محمد بن جرير الطبري
446
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
هذا ، قال الله عز وجل مكذبا قيله : « أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً » للأموال ولو كان الله انما يعطى الأموال والدنيا من يعطيه إياها لرضاه عنه ، وفضله عنده ، لم يهلك من أهلك من أرباب الأموال الكثيرة قبله ، مع كثره ما كان أعطاهم منها ، فلم يردعه عن جهله ، وبغيه على قومه بكثرة ماله عظه من وعظه ، وتذكير من ذكره بالله ونصيحته إياه ، ولكنه تمادى في غيه وخسارته ، حتى خرج على قومه في زينته راكبا برذونا ابيض مسرجا بسرج الأرجوان ، قد لبس ثيابا معصفره ، قد حمل معه من الجواري بمثل هيئته وزينته على مثل برذونه ثلاثمائة جاريه وأربعة آلاف من أصحابه . وقال بعضهم : كان الذين حملهم على مثل هيئته وزينته من أصحابه . سبعين ألفا . حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد : « فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ » ، قال : على براذين بيض ، عليها سروج الأرجوان ، عليهم المعصفرة فتمنى أهل الخسار من الذين خرج عليهم في زينته مثل الذي أوتيه ، فقالوا : « يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » ، فأنكر ذلك من قوله عليهم أهل العلم بالله فقالوا لهم : ويلكم أيها المتمنون مثل ما اوتى قارون ! اتقوا الله ، واعملوا بما امركم الله به ، وانتهوا عما نهاكم عنه ، فان ثواب الله وجزاءه أهل طاعته خير لمن آمن به وبرسله ، وعمل بما امره به من صالح الاعمال ، يقول الله : « وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ » ، يقول : لا يلقى مثل هذه الكلمة الا الذين صبروا عن طلب زينه الحياة الدنيا ، وآثروا جزيل ثواب الله على صالح الاعمال على لذات الدنيا وشهواتها ، فعملوا له بما يوجب لهم ذلك