محمد بن جرير الطبري
395
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امراه فرعون ، فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه ، وقالت : انطلقن به إلى فرعون فليبجله وليكرمه فلما دخلن به على فرعون وضعنه في حجره ، فتناول موسى لحيه فرعون حتى مدها ، فقال : عدو من أعداء الله ! الا ترى ما وعد الله إبراهيم انه سيصرعك ويعلوك ! فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه - وذلك من الفتون يا بن جبير - بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به فجاءت امراه فرعون تسعى إلى فرعون فقالت : ما بدا لك في هذا الصبى الذي وهبته لي ؟ قال : الا ترينه يزعم أنه سيصرعنى ويعلوني ! فقالت : اجعل بيني وبينك امرا يعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن اليه ، فان بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل ، وان تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل ، فقرب ذلك اليه فتناول الجمرتين فنزعوهما منه مخافه ان تحرقا يده ، فقالت المرأة : ا لا ترى ! فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به ، وكان الله بالغا فيه امره ، فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ولا سخره ، حتى امتنعوا كل امتناع ، فبينما هو يمشى ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان ، أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى واشتد غضبه لأنه تناوله وهو يعلم منزله موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ، ولا يعلم الناس الا انما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى ، الا ان يكون الله عز وجل اطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره ، فوكز موسى الفرعوني فقتله ، وليس يراهما الا الله عز وجل والإسرائيلي ، فقال موسى حين قتل الرجل : « هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ