محمد بن جرير الطبري
394
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
مجمع الناس ترجو ان تصيب له ظئرا يأخذ منها ، فلم يقبل من أحد ، وأصبحت أم موسى فقالت لأخته : قصيه واطلبيه هل تسمعين له ذكرا ! ا حي ابني أم قد أكلته دواب البحر وحيتانه ؟ ونسيت الذي كان الله وعدها ، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظئورات : « هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ » فأخذوها فقالوا : وما يدريك ما نصحهم له ! هل تعرفينه ؟ حتى شكوا في ذلك - وذلك من الفتون يا بن جبير - فقالت : نصحهم له ، وشفقتهم عليه ، ورغبتهم في ظئوره الملك ، ورجاء منفعته فتركوها ، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر ، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلا جنباه ، فانطلق البشراء إلى امراه فرعون يبشرونها ان قد وجدنا لابنك ظئرا ، فأرسلت إليها فأتيت بها وبه ، فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي عندي ترضعين ابني هذا فانى لم أحب حبه شيئا قط قال : فقالت : لا أستطيع ان ادع بيتي وولدى فيضيع ، فان طابت نفسك ان تعطينيه فاذهب به إلى بيتي ، فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت ، والا فانى غير تاركه بيتي وولدى وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها ، فتعاسرت على امراه فرعون ، وأيقنت ان الله عز وجل منجز وعده ، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها ، فانبته الله نباتا حسنا ، وحفظه لما قضى فيه ، فلم تزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخر التي كانت فيهم ، فلما ترعرع قالت امراه فرعون لام موسى : أريد ان تريني موسى ، فوعدتها يوما تريها إياه فيه ، فقالت لحواضنها وظئورها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم الا استقبل ابني بهديه وكرامة ، ليرى ذلك ، وانا باعثه أمينه تحصى ما يصنع كل انسان منكم فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله