محمد بن جرير الطبري
382
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وان المرء ان يخطئ في العفو فيعفو ، خير من أن يخطئ في العقوبة فينبغي للملك ان يتثبت في الأمر الذي فيه قتل النفس وبوارها وإذا رفع اليه من عامل من عماله ما يستوجب به العقوبة فلا ينبغي له ان يحابيه ، وليجمع بينه وبين المتظلم ، فان صح عليه للمظلوم حق خرج اليه منه ، وان عجز عنه أدى عنه الملك ورده إلى موضعه ، واخذه بإصلاح ما افسد ، فهذا لكم علينا . الا ومن سفك دما بغير حق ، أو قطع يدا بغير حق ، فانى لا اعفو عن ذلك الا ان يعفو عنه صاحبه فخذوا هذا عنى وان الترك قد طمعت فيكم فاكفونا ، فإنما تكفون أنفسكم ، وقد أمرت لكم بالسلاح والعدة وانا شريككم في الرأي ، وانما لي من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم الا وان الملك ملك إذا أطيع ، فإذا خولف فذلك مملوك ليس بملك ومهما بلغنا من الخلاف فانا لا نقبله من المبلغ له حتى نتيقنه ، فإذا صحت معرفه ذلك والا أنزلناه منزله المخالف الا وان أكمل الأداة عند المصيبات الأخذ بالصبر والراحة إلى اليقين ، فمن قتل في مجاهده العدو رجوت له الفوز برضوان الله وأفضل الأمور التسليم لامر الله والراحة إلى اليقين والرضا بقضائه ، واين المهرب مما هو كائن ! وانما يتقلب في كف الطالب ، وانما هذه الدنيا سفر لأهلها لا يحلون عقد الرحال الا في غيرها ، وانما بلغتهم فيها بالعوارى ، فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم لمن القضاء له ! ومن أحق بالتسليم لمن فوقه ممن لا يجد مهربا الا اليه ، ولا معولا الا عليه ! فثقوا بالغلبة إذا كانت نياتكم ان النصر من الله ، وكونوا على ثقة من درك الطلبه إذا صحت نياتكم واعلموا ان هذا الملك لا يقوم الا بالاستقامة وحسن الطاعة وقمع العدو وسد الثغور والعدل للرعية وانصاف المظلوم ، فشفاؤكم عندكم ، والدواء الذي لا داء فيه الاستقامة ، والأمر بالخير والنهى عن الشر ، ولا قوه الا بالله انظروا للرعية فإنها مطعمكم ومشربكم ، ومتى عدلتم فيها رغبوا في العمارة ، فزاد ذلك في خراجكم ، وتبين في زيادة أرزاقكم ، وإذا خفتم على الرعية زهدوا في العمارة ، وعطلوا أكثر الأرض فنقص ذلك