محمد بن جرير الطبري

230

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فضرب عرقوبيها ، فوقعت تركض فاتى رجل منهم صالحا فقال : أدرك الناقة فقد عقرت فاقبل ، فخرجوا يتلقونه ويعتذرون اليه : يا نبي الله ، انما عقرها فلان ، انه لا ذنب لنا ، قال : انظروا هل تدركون فصيلها ! فان ادركتموه فعسى الله ان يرفع عنكم العذاب ! فخرجوا يطلبونه فلما رأى الفصيل أمه تضطرب اتى جبلا - يقال له : القاره - قصيرا فصعده وذهبوا ليأخذوه ، فأوحى الله عز وجل إلى الجبل ، فطال في السماء حتى ما تناله الطير ، قال : ودخل صالح القرية ، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ، ثم استقبل صالحا ، فرغا رغوه ، ثم رغا أخرى ، ثم رغا أخرى فقال صالح : لكل رغوه اجل يوم ، تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب ، الا ان آية العذاب ان اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة ، واليوم الثاني محمرة ، واليوم الثالث مسوده ، فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنما طليت بالخلوق ، صغيرهم وكبيرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم : الا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب ، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة ، كأنما خضبت بالدماء ، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا انه العذاب فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم : الا قد مضى يومان من الأجل ، وحضركم العذاب ، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسوده كأنما طليت بالقار ، فصاحوا جميعا : الا قد حضركم العذاب ، فتكفنوا وتحنطوا ، وكان حنوطهم الصبر والمقر ، وكانت أكفانهم الأنطاع ، ثم ألقوا أنفسهم إلى الأرض ، فجعلوا يقلبون أبصارهم إلى السماء مره ، وإلى الأرض مره ، لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب ، من فوقهم من السماء ، أو من تحت أرجلهم من الأرض خشعا وفرقا ، فلما أصبحوا اليوم الرابع اتتهم صيحه من السماء فيها صوت كل صاعقه وصوت كل شيء له صوت في الأرض ، فتقطعت قلوبهم في صدورهم فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ