محمد بن جرير الطبري
مقدمة 10
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
أظن لو رغبت ذلك لنهيتمونى عنه . ولامهم " ( 1 ) . ونقل أيضا " أن بعض أصدقائه قال له : أتنشط لتأديب بعض ولد الوزير أبى الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان ؟ قال له : نعم ؛ فمضى الرجل وأحكم له أمره ، وعاد إليه فأوصله إلى الوزير بعد أن أعاره ما يلبسه ؛ فلما رآه عبيد الله قربه ورفع مجلسه ، وأجرى عليه عشرة دنانير في الشهر ، واشترط عليه أن ذلك لا يعوقه عن أوقات طلب العلم ومدارسته وأداء الصلاة في مواعيدها ، والطعام في وقته ، ثم طلب إسلافه رزق شهر ليصلح به حاله ، ففعل به ذلك ، وأدخله حجرة التأديب ، وخرج إليه الصبى ؛ فلما جلس بين يديه كتب ، فأخذ الخادم اللوح ودخل به مستبشرا ، فلم تبق جارية إلا أهدت إليه صينية فيها دراهم ودنانير ، فرد الجميع وقال : قد شورطت على شئ ، وما هذا لي بحق ، وما آخذ غير ما شورطت عليه . فعرف الجواري الوزير بذلك ، فدخل إليه وقال : يا أبا جعفر ، سررت أمهات الأولاد في والدنهن فبررنك ، فغممتهن بردك ذلك . فقال له : لا أريد غير ما وافقني عليه " ( 1 ) . ثم ابتى لنفسه دارا برحبة يعقوب في بغداد ؛ وزع فيها نفسه بين العبادة والقراءة والإملاء والتصنيف ؛ وعاش بها ، رضى النفس ، مرموق المحل ، مهيبا من الخلفاء والولاة ، رفيع المنزلة والمكانة ، إلى أن مات يوم السبت ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة ، ودفن يوم الأحد بالغداة ، في داره . قال الخطيب : " واجتمع على جنازته من لا يحصى عددهم إلا الله ، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا ، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب " ( 2 ) . * * * وقد جال ابن جرير في نواحي كل فن ؛ وضرب فيها جميعها بسهم ، حتى أصبح إمام عصره غير مدافع ؛ قال عبد العزيز الطبري في شأنه : " كان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن ، وكالمحدث الذي لا يعرف إلا الحديث ، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه ، وكالنحوى الذي لا يعرف إلا النحو ،
--> ( 1 ) تاريخ ابن عساكر 18 : 356 . ( 2 ) تاريخ بغداد 2 : 166 .