محمد بن جرير الطبري

مقدمة 9

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يقونهم ؛ وأضربهم الجوع ، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه ، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة ، فمن خرجت عليه سأل لأصحابه الطعام ، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة ، فقال لأصحابه : أمهلونى حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة . قال : فاندفع في الصلاة فإذة هم بالشموع ، وخصى من قبل والى مصر يدق الباب ، ففتحوا الباب ، فنزل عن دابته ، فقال : أيكم محمد بن نصر ؟ فقيل ؛ هو هذا ، فأخرح صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن هارون ؟ فقالوا : هو ذا ، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة ؟ فقالوا : هو ذا يصلى ، فلما فرغ دفع إليه الصرة وفيها خمسون دينارا ، ثم قال : إن الأمير كان قائلا بالأمس ، فرأى في المنام خيالا ، قال : إن المحامد طووا كشحهم جياعا ، فأنفذ إليكم هذه الصرار ؛ وأقسم عليكم إذا نفدت فابعثوا إلى أحدكم ( 1 ) . وطالت أيامه بمصر سنوات ، ذهب في أثنائها إلى الشام ، ثم عاد فأخذ من فقه الشافعي عن الربيع والمزني وأبناء عبد الحكم ، ومن فقه مالك عن تلاميذ ابن وهب ؛ وفى مصر أيضا لقى يونيس بن عبد الأعلى الصدفي ؛ شيخ الإقرارء بها ؛ فأخذ عنه قراءة حمزة وورش . ثم عاوده الحنين إلى بغداد ، وأحس رغبة في أن يلقى العصا ويجنح إلى الاستقرار ؛ فعاد إليها بعد رحلة طويلة ؛ روى فيها وكتب وشاهد ؛ وقرأ الكثير ، وصحب أعلام عصره وأخذ عنهم . وعزم على آن ينقطع للدرس والتأليف ، وأن يمتنع عن كل ما يصرفه عنهما . نقل ابن عساكر أنه " لما تقلد الخاقاني الوزارة وجه إلى أبى جعفر بمال كثير ، فامتنع من قبوله ، وعرض عليه القضاء فأبى ، وعرض عليه المظالم فامتنع ، فعاتبه أصحابه وقالوا له : لك في هذا ثواب ، وتحيى سنة قد درست ، وطمعوا في قبوله المظالم ؛ وباكروه ليركب معهم لقبول ذلك ، فانتهرهم وقال : قد كنت

--> ( 1 ) تاريخ بغداد 2 : 164 ، 165 .