محمد بن جرير الطبري

مقدمة 8

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثم عاد أبو جعفر إلى مدينة السلام ؛ وفى هذه المرة أخذ في مدارسة علوم القرآن ؛ وانقطع إلى أحمد بن يوسف التغلبي المقرى زمانا ؛ ثم جنح إلى دراسة فقه الشافعي ؛ وكان هناك الحسن بن محمد الصباح وأبو سعيد الإصطخرى من أئمة الشافعية ، ولم يلبث أن اتخذه مذهبا ، وأفى به سنوات . وكان يقيم بمصر على عصره بقية من أصحاب الشافعي وحاملى مذهبه : إسماعيل بن إبراهيم المزنى ، والربيع بن سليمان ، ومحمد بن عبد الله بن الحكم وأخوه عبد الرحمن ؛ فدعته نفسه إلى اللقاء بهم والرحلة إليهم ؛ وفى طريقه إلى . مصر عرج على أجناد الشام وسواحلها وثغورها ؛ وأطال أيامه في بيروت على الخصوص ؛ حيث لقى العباس بن الوليد البيروتي المقرئ ؛ قضى منها سبع ليال بالمسجد الجامع ؛ حتى ختم القرآن برواية الشاميين تلاوة عليه ؛ وتابع مسيره إلى الفسطاط حتى بلغها في سنة ثلاث وخمسين ومائتين . وكان أول من لقيه بها أبو الحسن السراج المصري ؛ وكان أديبا متصرفا في فنون الآداب ، وكل من دخل الفسطاط من أهل العلم يتلقاه ويتعرض له ؛ فحينما لقى أبا جعفر ، ساءله عن فنون من الفقه والحديث واللغة والنحو والشعر ، فوجده عالما في كل ما سأل ، آخذا من كل علم بنصيب وافر ، فسأله عن شعر الطرماح ، فإذا هو يحفظه ، فسئل أن يمليه ويشرح غريبه ، فأملاه عند بيت المال بالجامع . وجاءه أيضا رجل آخر يسأله في العروض . . قال أبو جعفر : " ولم أكن نشطت له من قل ؛ فقلت له : على قول ألا أتكلم اليوم في شئ من العروض ، فإذا كان في غد فصر إلى ، وطلبت من صديق لي كتاب العروض للخليل بن أحمد ، فنظرت إليه في ليلتي ؛ فأمسيت غير عروضى ، وأصبحت عروضيا " ( 1 ) . وروى الخطيب البغدادي قصة طريفة وقعت لابن جرير في مصر ، قال : جمعت الرحلة بين محمد بن جرير ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، ومحمد بن نصر المروزي ، ومحمد بن هارون الروياني بمصر ، فأرملوا ولم يبق عندهم ما

--> ( 1 ) معجم البلدان 18 : 56 .