مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )

59

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )

« بني أساس هذا القول على أن للحق سبحانه واقعية غير محدودة لا نهاية لها ، إذ هو الواقعية المحضة التي يحتاج إليها كل شيء موجود له واقعية وجودية محدودة ، فإنه إنما يجد وجوده الخاص من ذلك الوجود المطلق » . أجل ، إن ما جعل أساسا لجميع البحوث حول ذات اللّه وصفاته في نهج البلاغة : هو أنه - سبحانه - وجود مطلق غير محدود ، وأنه لا يتطرق إليه أي حد أو قيد ، وأنه لا يخلو عنه مكان ولا زمان ولا أي شيء ، إنه مع كل شيء وليس معه شيء . وحيث هو مطلق بلا حد فهو متقدم على كل شيء حتى على الزمان والعدد والحد والمقدار و ( الماهية ) ، فإن الزمان والمكان والعدد والحد والمقدار إنما هي منتزعة من أفعاله - سبحانه - وصنعه ، وكل شيء منه ، وإليه مرجع كل شيء ، وهو أول الأولين وهو آخر الآخرين . هذا هو محور بحوث نهج البلاغة . ولا نجد في كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد والغزالي والخواجة نصير الدين الطوسي ( قده ) منه شيئا . وكما قال السيد الأستاذ العلامة الطباطبائي ( روحي فداه ) فإن هذه البحوث العميقة في ( الإلهيات بالمعنى الأخص ) تبتنى على سلسلة من المباني التي تثبت في ( الفلسفة العامة ) ولا نستطيع نحن هنا أن نذكر تلك المسائل وابتناءها على تلك المباني . ونحن إذا رأينا مما سبق : أولا : أن في نهج البلاغة بحوثا لم تكن مطروحة في عصر السيد الشريف الرضي ( ره ) جامع النهج ، بين فلاسفة العالم ، من قبيل : أن وحدة اللّه ليست وحدة عددية ، وأن العدد في مرتبة متأخرة عن ذاته ، وأن وجوده يساوي وحدته ، وبساطة ذاته ، وكونه مع كل شيء لا معه شيء ومسائل أخرى من هذا القبيل . . وثانيا : نرى التفاوت الكبير بين مستند البحوث في هذا الكتاب مع ما تداول من بحوث فلاسفة العالم حتى اليوم . . . فكيف نستطيع أن ندعي أن هذه الكلمات اخترعها المتعرفون على المفاهيم الفلسفية السائدة يومذاك .

--> ( 1 ) المصدر السابق ص 126 .