مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )

50

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )

- نعم ، كثير . ولكنها كلها تدور حول نقطة واحدة ، هي : أن ذات اللّه وجود غير محدود ، بل هو ذات غير قابلة للحدود ، بينما لا بد لكل موجود من الموجودات سواء من حدود ونهايات ، سواء كان موجودا ساكنا أم متحركا ، والموجود المتحرك تتبدل حدوده دائما . وليس لذات اللّه ( ماهية ) تخصصه بنوع خاص من الوجود المحدود ، وهو وجود مطلق لا نهاية له ، فلا يخلو الوجود من وجوده ، ولا يتصف شيء من الوجود بفقده فيه . ولاي صدق اتصافه بالعدم والسلب ، إلّا عدم العدم وسلب السلب ، والنفي الوحيد الذي يصح اتصافه به هو نفي النقص والعدم ، من قبيل : المخلوقية ، والمعلولية ، والمحدودية ، والكثرة ، والتجزي ، والفقر ، فلا يتطرق إليه العدم بأي شكل من أشكاله وألوانه . إنه مع كل شيء وليس في شيء وليس معه شيء ، ليس في شيء أبدا ولا خارج عنه أبدا ، وهو منزه عن كل كيفية وتشبيه وتمثيل ، إذ كل هذه من أوصاف الموجود المحدود ذي الماهية المتعينة : « مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة » . فهو مع كل شيء ، ولكن لا بنحو التزاوج والاقتران بينه وبين ذلك الشيء ، بل هو يغاير كل شيء فليس عين الأشياء ولكن لا بوجه الانفصال عنها حتى تكون حدودا لذاته سبحانه : « ليس في الأشياء بوالج ، ولا عنها بخارج » فليس ( حالا ) في الأشياء ، إذ ( الحلول ) يستلزم الحدود والتحيز ، وفي نفس الوقت ليس بخارج عنها ، أن خروجه عنها أيضا يستلزم نوعا آخر من الحدود : « بأن من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها ، وبانت الأشياء منه بالخضوع » . فانفصاله عن الأشياء ومغايرته لها بقدرته عليها وقهره لها ، وليس القاهر نفس المقهور ، ولا القادر عين المقدور ، ولا المسخّر نفس المسخّر ، وانفصال الأشياء عنه ومغايرتها له بنحو الخضوع له ، ولا يمكن أن يكون الخاضع والمسخّر ( متحدا ) مع الذات الغنية . وليس انفصال اللّه عن الأشياء ومغايرته لها بفصل الحدود ، بل بفصل الربوبية والمربوبية ، والكمال والنقص ، والقوة والضعف .

--> ( 1 ) الخطبة الأولى .