ابن عابدين

670

حاشية رد المحتار

الأبوين لو أمراه حقيقة لم يصح تعيين أحدهما بعد الابهام كما في الأجنبيين ، وإن لم يأمراه صريحا صح التعيين ، ولو فرضوا المسألة ابتداء في الأجنبيين لتوهم أن الأبوين لا يصح تعيين أحدهما لوجود الامر دلالة ففرضوها في الأبوين لإفادة صحة التعيين وإن وجد الامر دلالة ، وليفيدوا أن المراد بالامر في المسألة الأولى الامر صريحا ، والله أعلم . تنبيه : الذي تحصل لنمن مجموع ما قررناه أن من أهل بحجة عن شخصين ، فإن أمراه بالحج وقع حجه عن نفسه البتة ، وإن عين أحدهما بعد ذلك ، وله بعد الفراغ جعل ثوابه لهما أو لأحدهما وإن لم يأمراه فكذلك ، إلا إذا كان وارثا وكان على الميت حج الفرض ولم يوص به فيقع عن الميت حجة الاسلام للامر دلالة وللنص بخلاف ما إذا أوصى به لان غرضه ثوا ب الانفاق من ماله ، فلا يصح تبرع الوارث عنه ، وبخلاف الأجنبي مطلقا لعدم الامر . قوله : ( لأنه متبرع بالثواب ) بيان لوجه صحة التعيين في مسألة الأبوين دون مسألة الآمر ، وهو معنى ما قدمناه من قوله في الفتح : ومبناه على أن نيته لهما تلغى لعدم الامر فهو متبرع الخ . قال في الشرنبلالية : قلت : وتعليل المسألة يفيد وقوع الحج عن الفاعل ، فيسقط به الفرض عنه وإن جعل ثوابه لغيره ، ويفيد ذلك الأحاديث التي رواها في الفتح بقوله : اعلم أن فعل الولد ذلك مندوب إليه جدا . لما أخرج الدارقطني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عنه ( ص ) لمن حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرما بعث يوم القيامة مع الأبرار . وأخرج أيضا عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال : من حج عن أبيه وأمه فقد قضى عنه حجته ، وكان له فضل عشر حجج . وأخرج أيضا عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله ( ص ) : إذا حج الرجل عن والديه تقبل منه ومنهما ، واستبشرت أرواحهما ، وكتب عند الله برا اه‍ . أقول : قد علمت مما قررناه أنه إذا حج الوارث عنهما وعلى أحدهما فرض لم يوص به يقع عن الميت لسقوط الفرض عنه بذلك إن شاء الله تعالى . وحينئذ فكيف يصح دعوى سقوط الفرض به عن الفاعل أيضا وقد صرفه إلى غيره وأجزنا صرفه ، نعم يظهر ذلك فيما إذا كان على أحدهما فرض أو وصي به أو لم يكن عليه فرض أصلا ، ويدل على ذلك قوله في الفتح : وإنما يجعل لهما الثواب وترتبه بعد الأداء ، ومثله قول قاضيخان في شرح الجامع : وإنما يجعل ثواب فعله لهما ، وهو جائز عندنا وجعل ثواب حجه لغيره لا يكون إلا بعد أداء الحج ، فبطلت نيته في الاحرام ، فكان له أن يجعل الثواب لأيهما شاء اه‍ . فهذا صريح في أن النية لم تقع لهما ، وأن الأعمال وقعت له ، فله جعل ثوابها لمن شاء بعد الأداء ، فيمكن ادعاء سقوط الفرض عن الفاعل بذلك كما حررناه في مسألة الحج عن الآمرين ، وبه يعلم جواز جعل لانسان ثواب فرضه لغيره كما ذكرناه أول الباب . وأما إذا كان على الميت فرض لم يوص به وسقط به فرض الميت يلزم منه وقوع النية والأعمال له لا للفاعل ، إلا أن يقال إن الأعمال تقع للعامل هنا أيضا كما هو مقتضى إطلاق عبارة الفتح وقاضيخان وغيرهما ، ولكن يسقط بها الفرض عن الميت فضلا من الله تعالى عملا بالنص ، وهو حديث الخثعمية وإن خالف القياس ، ولذا علقه أبو حنيفة بالمشيئة ، ويسقط بها الفرض عن الفاعل أيضا أخذا من الأحاديث المذكورة ، ولذا كان الوارث مخالفا لحكم الأجنبي في ذلك .