أبو علي سينا
الفن السادس 234
الشفاء ( الطبيعيات )
حتى لا يكون على العضو الذي هو المبدأ ثقل . ولذلك خلقت العصب للدماغ والأوردة للكبد ، كان الدماغ والكبد مبدأين أولين للحس والحركة والتغذية أو كانا مبدأين ثانيين . وإذا فاض من القلب قوة التكوين « 1 » والتخليق إلى الدماغ فتكوّن الدماغ ؛ « 2 » فلا كثير بأس بأن يكون الدماغ يرسل من نفسه آلة يستمد بها الحس والحركة من القلب ، أو يكون القلب ينفذ إليه الآلة التي بتوسطها ينفذ إليه الحس والحركة . فلا يجب أن يقع من المضايقة في أمر خلقة العصب أن مبدأها من القلب أو من الدماغ ما هو ذا يقع ، بل نسلم أنه من الدماغ ويستمد من القلب ، كما أن الكبد يرسل إلى المعدة ما يستمد منها فيه ولها أيضا عروق تمد غيرها بها . فليس يجب أن يكون العضو الذي هو مبدأ قوة فيه أيضا أول أفعال تلك القوة ، وأن يكون آلة لأفعال تلك القوة ، بل يجوز أن تكون الآلة خلقت للاستمداد من شئ آخر ، وأن يكون إنما يستمد بعد تخلقها ، حتى يكون الدماغ أول ما تخلق لم يكن مبدأ للحس والحركة بالفعل ، بل مستعدا لأن يصير مبدأ ما للأعضاء التي بعده إذا استمد من غيره بعد أن تتخلق آلة الاستمداد من غيره له ، فلما تخلق منه عصب ذاهب إلى القلب استمد الحس والحركة منه حينئذ . ويمكن أن يكون مع تخلق هذا المنفذ بلا تأخر فلا تكون في نفوذه عنه إلى القلب حجة أيضا ولا شبه حجة ، بل كما تخلق الدماغ يخلق معه من مادته شئ نافذ إلى القلب غريب عن القلب استمد منه الحس والحركة . على أن نبات « 3 » هذا العصب من الدماغ ومصيره منه إلى القلب ليس شيئا يظهر الظهور الذي يظنه مدعى نبات العصب الذي بين الدماغ والقلب من الدماغ إلى القلب لا من القلب إلى الدماغ ، على ما سنوضحه في موضعه من كلامنا في طبائع الحيوان ونطول الكلام فيه طولا يشفى ويقنع . ومع ذلك فلنعد إلى معاملة أخرى ، فنقول : إنه ليس بمستحيل أن يكون مبدأ وجود قوة هو في عضو ، فتنفذ من ذلك العضو إلى عضو آخر ، وهناك « 4 » تتم القوة وتستكمل ، ثم تنعطف إلى هذا العضو الأول فترفده . فإن الغذاء إنما يصير إلى الكبد من المعدة ، ثم إذ صار هناك « 5 » على نحو ما عاد فغذى « 6 » المعدة في عروق تنبعث من الطحال والأجوف وتنبث في المعدة ، فلا ضير أن يكون مبدأ القوة
--> ( 1 ) فتكون : وتكون م . ( 2 ) فتكون الدماغ : ساقطة من د . ( 3 ) نبات : ثبات م . ( 4 ) وهناك : وهنا لك ك ، م . ( 5 ) هناك : هنالك ك ، م ( 6 ) فغذى : فغذا د ، ك ، م .