أبو علي سينا

الفن السادس 233

الشفاء ( الطبيعيات )

ولا المزاج الذي يصلح للروح الباصر هو بعينه الذي يصلح للروح المحرك . ولو كان المزاج واحدا لكانت القوى المستقرة في الروح واحدة وأفعالها واحدة ، فإذا كانت النفس واحدة فيجب أن يكون لها أول « 1 » تعلق بالبدن ، ومن هناك تدبره وتنميه ، وأن يكون ذلك بتوسط هذا الروح ، ويكون أول ما تفعل النفس ، يفعل العضو الذي بوساطته تنبعث قواها في سائر الأعضاء بتوسط هذا « 2 » الروح ، وأن يكون ذلك العضو أول متكون من الأعضاء وأول معدن لتولد الروح . وهذا هو القلب ، يدل على ذلك ما حققه التشريح المتقن ، وسنزيد هذا المعنى « 3 » شرحا في الفن الذي في الحيوان . فيجب أن يكون أول تعلق النفس بالقلب ، وليس يجوز أن تتعلق بالقلب ثم بالدماغ ، فإنها إذا تعلقت بأول عضو صار البدن نفسانيا ، وأما الثاني فإنما تفعل فيه لا محالة بتوسط هذا الأول . فالنفس تحيي الحيوان بالقلب ، لكن يجوز أن تكون قوى الأفعال الأخرى تفيض من القلب إلى الأعضاء الأخرى ، لأن الفيض يجب أن يكون صادرا من أول متعلق به ، فيكون الدماغ هو الذي يتم فيه مزاج الروح الذي يصلح لأن يكون حاملا لقوى الحس والحركة إلى الأعضاء حملا يصلح معه أن تصدر عنها أفعالها . وكذلك حال الكبد بالقياس إلى قوى التغذية ، ولكن يكون القلب هو المبدأ الأول الذي أول تعلقه به ومنه تنفذ إلى غيره ويكون الفعل في أعضاء أخرى . كما أن مبدأ الحس عند مخالفى هذا القول إنما هو في الدماغ ، لكن أفعال الحس لا تكون به وفيه ، بل في أعضاء أخرى كالجلد وكالعين وكالأذن . وليس يجب من ذلك أن لا يكون الدماغ مبدأ ، كذلك أيضا يجوز أن يكون القلب مبدأ لقوى التغذية ولكن أفعالها في الكبد . ولقوى التخيل والتذكر والتصور لكن « 4 » أفعالها في الدماغ ، بل ينبغي أن يكون المبدأ للقوى المختلفة غير صالح لأن يصدر عن معدنه جميع أفعالها ، بل يجب أن تتفرع في آلات مختلفة تتخلق بعد ذلك العضو تخلقا وتفيض من ذلك العضو إليها قوة ملائمة لمزاج ذلك الفرع واستعداده ، على ما ستقف « 5 » عليه في ذكر الحيوان ،

--> ( 1 ) أول : ساقطة من م . ( 2 ) هذا : هذه م . ( 3 ) المعنى : الشئ ك . ( 4 ) لكن : ولكن د ، ك . ( 5 ) ما ستقف : ما تقف د .