أبو علي سينا
الفن السادس 214
الشفاء ( الطبيعيات )
الألفاظ التي يدل عليها قولك : كل إنسان حيوان ، وجدت كل معنى منها كليا لا يتصور إلا في جوهر غير بدني ، ووجدت لتصورها فيه تقديما وتأخيرا ؛ فإن غيرت ذلك حتى كان ترتيب المعاني المتصورة الترتيب المحاذى لقولك : الحيوان محمول على كل إنسان « 1 » لم تشك أن هذا الترتيب من حيث هو ترتيب معان كلية لم يترتب إلا في جوهر غير بدني ، وإن كان أيضا يترتب من وجه ما في الخيال فمن حيث المسموع لا من حيث المعقول ، وكان الترتيبان مختلفين ، والمعقول الصرف منهما « 2 » واحد ؛ والثاني أن يكون قد حصل التصور واكتسب ، لكن النفس معرضة عنه ، فليست تلتفت إلى ذلك المعقول ، بل قد انتقلت عنه مثلا إلى معقول آخر ، فإنه ليس في وسع أنفسنا أن تعقل الأشياء معا « 3 » دفعة واحدة . ونوع آخر من التصور وهو مثل ما يكون عندك في مسألة تسأل عنها مما علمته أو مما هو قريب من أن تعلمه « 4 » فحضرك جوابها في الوقت ، وأنت متيقن بأنك تجيب عنها مما علمته من غير أن يكون هناك تفصيل البتة ، بل إنما تأخذ في التفصيل والترتيب في نفسك مع أخذك في الجواب الصادر عن « 5 » يقين منك بالعلم به قبل التفصيل والترتيب . فيكون الفرق بين التصور الأول والثاني ظاهرا ، فإن الأول كأنه شئ قد أخرجته من الخزانة وأنت تستعمله ، « 6 » والثاني كأنه شئ لك مخزون متى شئت استعملته ، والثالث يخالف الأول بأنه ليس شيئا مرتبا في الفكر البتة ، بل « 7 » هو كمبدإ لذلك مع مقارنته لليقين ، ويخالف الثاني بأنه لا يكون معرضا عنه ، بل منظورا إليه نظرا ما بالفعل يقينا إذ تتخصص معه النسبة إلى بعض ما هو كالمخزون . فإن قال قائل : إن ذلك علم أيضا بالقوة ولكن قوة قريبة من الفعل ، فذلك باطل ، لأن لصاحبه يقينا بالفعل حاصلا لا يحتاج أن يحصله بقوة بعيدة أو قريبة . فذلك اليقين « 8 » لأنه متيقن أن هذا حاصل عنده إذا شاء علمه ، فيكون تيقنه بالفعل
--> ( 1 ) إنسان : + إن ك . ( 2 ) منهما : منه د ، ك ، م . ( 3 ) معا : معه م . ( 4 ) من أن تعلمه : مما تعلمه ك . ( 5 ) عن : من ك . ( 6 ) تستعمله : ستعلمه م . ( 7 ) بل : + ما ك . ( 8 ) اليقين : + إما د ، ك ، م .