أبو علي سينا
الفن السادس 100
الشفاء ( الطبيعيات )
الخلط وتصغير الأجزاء ، والصناعة تعجز عن ذلك الاستقصاء . والطبيعة لا تتناهى مذاهبها في القسمة والنسبة قوة وفعلا ، والصناعة لا يمكن أن تخرج جميع ما في الضمير منها إلى الفعل . فقد بان من هذا أن البياض بالحقيقة في الأشياء ليس بضوء . ثم لسنا نمنع أن يكون للهواء تأثير في أمر التبييض ، ولكن ليس على الوجه الذي يقولون ، بل بإحداث المزاج المبيض . « 1 » ولذلك ليس لنا أن نقول : إن بياض الناطف كله من الجهة التي يقولون ، بل من المزاج ، فإن الهواء يوجب لونا أبيض لا بحسب المخالطة فقط ، بل بحسب الإحالة أيضا . ولو كان مذهبهم صحيحا لكان يمكن أن يبلغ بالشيء الأبيض والملون بشدة الترقيق « 2 » حتى يذهب تراكمه إلى أن يشف أو إلى قريب منه ، وهذا مما لا يكون . وأما قولهم : إن الأسود غير قابل للون آخر ، فإما أن يعنوه على سبيل الاستحالة أو على سبيل الصبغ . فإن عنوا على سبيل الاستحالة ، فقد كذبوا ، ومما يكذبهم الشباب والشيب . وإن عنوا على سبيل الصبغ ، فلذلك حال مجاورة لا حال كيفية . فلا يبعد أن يكون الشئ المسود لا يكون مسودا إلا وفيه قوة نافذة متعلقة قباضة . فيخالط ، « 3 » وينفذ ويلزم ، وأن يكون ما هو موجود في الأشياء أبيض « 4 » بخلاف ذلك في طبعه ، فلا يمكنه أن يغشى الأسود ويداخله ويلزمه . على أن ذلك ليس أيضا مما لا يمكن ، فإنه إذا احتيل بمثل الاسفيداج وغيره حيلة « 5 » ما حتى يغوص ويتخلل « 6 » السواد صبغه أبيض . وأما المذهب « 7 » الثاني فإن ذلك المذهب لا يستقيم القول به إلا إذا فرض الخلاء موجودا وذلك لأن المسام التي يذكرونها لا يخلو إما أن تكون مملوءة من جسم أو تكون خالية . فإن كانت مملوءة من جسم ، فإما أن يكون ذلك الجسم يشف من غير مسام ، « 8 » أو تكون له أيضا مسام ، وينتهى لا محالة : إما إلى مشف لا مسام له ، وهذا خلاف قولهم . وإما إلى خلاء ، فيكون مذهبهم يقتضى وجود الخلاء ، والخلاء غير موجود . ثم بعد ذلك فإنهم يقولون : إنه ليس كل مسام
--> ( 1 ) المبيض : التبيض د ، م ؛ للتبييض ك . ( 2 ) الترقيق : الرفق م . ( 3 ) فيخالط : فتخالطه ك . ( 4 ) أبيض : البيض ك . ( 5 ) حيلة : ساقطة من م ( 6 ) ويتخلل : ويحلل د ، ب . ( 7 ) المذهب : المذاهب م . ( 8 ) مسام : سام ك .