أبو علي سينا
الفن السادس 54
الشفاء ( الطبيعيات )
بذلك نسبتهما من أوضاع المرئى الواحد ، كطوق الحمامة فإنها ترى مرة شقراء ومرة أرجوانية ومرة على لون الذهب ، وبحسب اختلاف المقامات ، فلهذا ما يكون شئ واحد عند إنسان صحيح حلوا ، وعند إنسان مريض مرا . فهؤلاء هم الذين جعلوا الكيفيات المحسوسة لا حقائق لها في أنفسها ، إنما هي أشكال . وهاهنا قوم آخرون أيضا ممن لا يرو هذا المذهب لا يجعلون لهذه الكيفيات حقيقة في الأجسام ، بل يرون أن هذه الكيفيات إنما هي انفعالات للحواس فقط من غير أن يكون في المحسوسات شئ منها . وقد بينا فساد هذا الرأي ، وبينا أن في بعض الأجسام خاصية تؤثر في اللسان ، مثلا الشئ الذي نسميه إذا ذقناه حلاوة ، ولبعضها خاصية أخرى من جنسها ، وهذه الخاصية نسميها الطعم لا غير . وأما مذهب أصحاب الأشكال فقد نقضنا أصله فيما سلف ، ثم قد يظهر لنا سريعا بطلانه ، فإنه لو كان المحسوس هو الشكل لكل يجب إذا لمسنا الشكل وأدركناه خصوصا بالحدقة أن نكون رأينا أيضا لونه ، فإن الشئ الواحد من جهة واحدة يدرك شيئا واحدا ، فإن أدرك من جهة ولم يدرك من جهة ، فالذي لم يدرك منه غير المدرك ، فيكون « 1 » اللون إذن غير الشكل ، وكذلك أيضا الحرارة غير الشكل ، اللهم إلا أن يقال : إن الشئ الواحد يؤثر في شيئين أثرين مختلفين ، فيكون أثره في شيء ما ملموسا « 2 » وأثره في شئ آخر مرئيا . فإذا كان كذلك لم يكن الشكل نفسه محسوسا ، بل أثر مختلف يحدث عنه في الحواس المختلفة غير نفسه . والحاس أيضا جسم ، وعنده « 3 » أنه لا يتأثر إلا بالشكل ، فيكون أيضا الحاس إنما يتأثر بالشكل ، فيكون الشئ الواحد يؤثر في آلة شكلا « 4 » ما وفي آلة أخرى شكلا آخر لكن لا شئ من الأشكال عنده إلا ويجوز أن يلمس ، فيكون هذا المرئى أيضا يجوز أن يلمس . ثم من الظاهر البين أن اللون فيه مضادة وكذلك الطعم وكذلك أشياء أخرى ، ولا شئ من الأشكال بمضاد لشئ ، وهؤلاء بالحقيقة يجعلون كل محسوس ملموسا ، فإنهم يجعلون أيضا البصر ينفذ فيه شئ ويلمس ، ولو كان كذلك لكان يجب أن يكون المحسوس بالوجهين
--> ( 1 ) فيكون : + في د . ( 2 ) أثره في شئ ما ملموسا : أثره في شئ ملموسا وأثره في شئ ملموسا م . ( 3 ) وعنده : عنده م . ( 4 ) شكلا : شكل م .