أبو علي سينا
الفن السادس 55
الشفاء ( الطبيعيات )
جميعا هو الشكل فقط . ومن العجائب غفلتهم عن أن الأشكال لا تدرك إلا أن تكون هناك ألوان أو طعوم أو روائح أو كيفيات أخرى ؛ ولا تحس البتة بشكل مجرد . فإن كان لأن الشكل المجرد إذا صار محسوسا أحدث في الحس أثرا من هذه الآثار غير الشكلية ، فقد صح وجود هذه الآثار . وإن لم تكن هذه الآثار إلا نفس الشكل ، وجب أن يحس شكل مجرد من غير أن يحس معه شئ آخر . وقال قوم « 1 » من الأوائل : إن المحسوسات قد يجوز أن تحس بها النفس بلا وسائط « 2 » البتة ولا آلات ، أما الوسائط فمثل الهواء « 3 » للإبصار وما الآلات فمثل العين للإبصار . وقد بعدوا عن الحق ، فإنه لو كان الإحساس يقع للنفس بذاتها من غير هذه الآلات لكانت هذه الآلات معطلة في الخلقة لا ينتفع بها ، وأيضا فإن النفس إذا كانت غير جسم عندهم ولا ذات وضع فيستحيل أن يكون بعض الأجسام قريبا منها ومتجها إليها فيحس ، « 4 » وبعضها بعيدا عنها محتجبا « 5 » عنها « 6 » فلا يحس . وبالجملة يجب أن لا يكون اختلاف في أوضاع الأجسام منها وحجب وإظهار ، فإن هذه الأحوال تكون للأجسام عند الأجسام . فيجب أن تكون النفس إما مدركة لجميع المحسوسات وإما غير مدركة ، وأن لا تكون غيبة المحسوس تزيله « 7 » عن الإدراك . لأن هذه الغيبة غيبة عند شئ لا محالة هي خلاف الحضرة منه . فيكون عند ذلك الشئ لهذا الشئ « 8 » غيبة مرة حضور مرة ، وذلك مكاني وضعي فيجب أن تكون النفس « 9 » جسما ؛ ليس ذلك بمذهب هؤلاء ؛ وسنبين لك بعد أن الصورة المدركة لا يتم نزعها عن المادة وعلائق المادة يستحيل أن تستثبت بغير آلة جسدانية ؛ ولو لم تحتج النفس في إدراك الأشياء إلى المتوسطات لوجب أن لا يحتاج البصر إلى الضوء وإلى توسط الشاف ، ولكان تقريب المبصر من العين لا يمنع الإبصار ، ولكان سد الأذن لا يمنع الصوت ، ولكانت الآفات العارضة لهذا الآلات لا تمنع الإحساس .
--> ( 1 ) قوم : ساقطة من د . ( 2 ) وسائط : واسطة ك ( 3 ) الهواء : + مثلا ف . ( 4 ) فيحس : ساقطة من ف ، م ( 5 ) محتجبا : ومحتجبا ف . ( 6 ) عنها : منها د ، ف ؛ فيها م . ( 7 ) تزيله : المزيلة م . ( 8 ) لهذا الشئ : ساقطة من ف . ( 9 ) النفس : للنفس م .