أبو علي سينا
مقدمة الفن السادس 7
الشفاء ( الطبيعيات )
تصدير عنى ابن سينا بالدراسات السيكلوجية عناية قل أن تجد لها نظيرا في التاريخ القديم والمتوسط ، فألف فيها ولما يبلغ العشرين ، واستمر يتعهدها طوال حياته . كتب فيها ملخصا ، وخلف عدة رسائل لها وزنها وقيمتها . وكتب فيها محللا ومفصلا ، شارحا وموضحا ، ومن أوسع ما وضع في هذا الباب « كتاب النفس » الذي نقدم له اليوم . وألحقها بالدراسات التجريبية ، وعد « كتاب النفس جزءا من طبيعيات « الشفاء » وتلك ناحية لها شأنها في نهضة علم النفس حديثا . وربطها بالطب ، فمهد بها لكتابه الطبى الكبير المشهور ، « القانون » ، وقدم له بمقدمة عرض فيها « لقوى النفس على طريقة الأطباء » . وهذا ملحظ له مغزاه ، وإن لم تسعفه الأجهزة والآلات للتعمق فيه ، وقد أضحى الطب موردا هاما من موارد علم النفس المعاصر . لم يكن غريبا أن يعنى ابن سينا بدراسة النفس ، فقد سبقه إلى ذلك مدارس ومفكرون إسلاميون مختلفون ، شغل بها المتكلمون والمتصوفة منذ عهد مبكر ، وانضم إليهم الأطباء والفلاسفة . وحاولوا أن يقفوا على كل ما دار حولها في الفكر القديم ، شرقيا كان أم غربيا ، وأخذوا عن الهند والفرس ، كما أخذوا عن اليونان . ويوم أن توفرت لديهم هذه المصادر بدءوا يبحثون بأنفسهم ، ويكتبون على طريقتهم . وظهرت في القرنين الثالث والرابع الهجري دراسات سيكلوجية على أيدي الكندي ( 865 م ) والفارابي ( 950 ) بين الفلاسفة ، وعلى أيدي قسطا بن لوقا ( 912 م ) وأبى بكر الرازي ( 925 م ) بين الأطباء ، وقد مهد ذلك كله لما اضطلع به ابن سينا ( 1037 م ) في القرن الخامس . وفي مقدمة الأصول التي أفاد منها هؤلاء الباحثون ما ترجم إلى العربية من علم النفس الأرسطي .