أبو علي سينا
مقدمة الفن الثاني 14
الشفاء ( الطبيعيات )
ولا يسترسل في بيان عدد الكواكب ، ولا في ذكر أنواع حركتها ، لأنه وقف على هذا فنا خاصا من رياضيات الشفاء « 1 » . والأرض في رأيه كروية أيضا ، إلا أنها ثابتة غير متحركة ، فهي مركز العالم ، وكأنها في حال توازن بين الأفلاك المختلفة . ويبرهن ابن سينا على كروية الأرض ، كما صنع أرسطو . ويروقه خاصة برهان منظر السفينة التي لا ترى لأول وهلة جملة واحدة « 2 » ويرد على القائلين بأن الأرض متحركة ، لأن الفلك يجذبها إلى الجهات المختلفة جذبا متشابها فتبقى ثابتة « 3 » . وعالم الأرض أدنى منزلة من عالم السماء ، ومكوناته هي العناصر الأربعة التي قال بها ابنادوقليس من قديم ، وهي قابلة للكون والفساد « 4 » ، ولا يكاد يشير ابن سينا إلى العنصر الخامس ، الذي شاء أرسطو أن يجعل منه مادة عالم السماء ، وهو الأثير « 5 » * * * لا نظننا في حاجة أن نشير إلى أن « كتاب السماء والعالم » مستمد أساسا من « كتاب السماء » ، ويكاد يعول عليه وحده . وكل ما بينهما من فارق هو أن ابن سينا يرى أن الدراسة الفلكية أولى بها أن تعرض في علم الهيئة ، وهو صناعة غير صناعة الطبيعيات ، لا سيما وهو في بحثه الفلكي متأثر بصاحب المجسطى بدرجة لا تقل عن تأثره بأرسطو . وسبق لنا أن لا حظنا أن ابن سينا لم يقف تقريبا عند فكرة العنصر الخامس ( الأثير ) ، وكأنه لا يأخذ بها ، لا سيما إذا أريد بها تفسير حركة الأفلاك والكواكب ، لأن عالم السماء تدبره نفوس مختارة بالطبع ، وهي مصدر حركته . هذا إلى أن عالم السماء في رأى ابن سينا مبدع ، والإبداع خلق من عدم ، وهذه نقطة دينية لا سبيل لفيلسوف مسلم أن يحيد عنها . والواقع أن أرسطو لم يقل بفكرة الأثير إلا في « كتاب السماء » ، ولم تصادف نجاحا لدى المشائين الأول ، وتردد المتأخرون في قبولها « 6 » . ( ج ) كتاب الكون والفساد لابن سينا : هو الفن الثالث من طبيعيات الشفاء ، ويشتمل على خمسة عشر فصلا تقوم أساسا على الجدل والتاريخ ، ويطول فيها نفس المؤلف بقدر ما يقصر في « كتاب السماء والعالم » .
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 20 ، 37 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 55 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 56 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 25 . ( 5 ) المصدر السابق . ( 6 ) P . Moraux Aristcte , Du Ciel , Paris 1963 , P . L VI - LX .