أبو علي سينا
مقدمة الفن الثاني 15
الشفاء ( الطبيعيات )
فيعرض آراء الخصوم ويشرح حججهم ، ثم يثنّى بالرد عليها مستعينا بمنطقه غالبا ، ومفيدا أحيانا من بعض الملاحظات والتجارب . وجد له ضرب من التحليل اللفظي أو المنطقي الذي كان يعد في الماضي رياضة ذهنية ، قد لا نستسيغها نحن اليوم كثيرا . ولا غضاضة عليه في أن يتوقف إزاء ما لم يطمئن إليه أو ما لم يفهمه . ومن العسير أن نعتبر أقواله مصدرا تاريخيا ، لأنه لا يتحدث عن مدارس محددة ، ويكتفى بأن يسرد الرأي ، دون أن يعزوه إلى صاحبه ، وخلال مناقشات طويلة تتبعها في نحو خمسة فصول لم يذكر اسما واحدا من الفلاسفة السابقين لسقراط . وهو في تأريخه على كل حال عالة على أرسطو ، يأخذ عنه ويحاكى حواره ، وقد يتوسع فيه بعض الشئ . وسيرا على سنة المعلم الأول يحدد ابن سينا في الفصل الأول موضوع كتابه ، وهو ممن يؤمنون بالتغير ؛ ويرى أن عالم الأرض في تغير مستمر بعكس عالم السماء ، وليس تغيره إلا كونا وفسادا ، أو بعبارة أخرى وجودا وعدما . والقائلون بالتغير كثيرون ، ويمكن ردهم إلى فريقين : أنصار الوحدة ، وأنصار التعدد . فيذهب الأول إلى تفسير التغير في ضوء عنصر واحد كالماء أو الهواء ، ويذهب الأخيرون إلى تفسيره في ضوء أكثر من عنصر « 1 » . ويستعرض ابن سينا هذه المذاهب ، ويقف بوجه خاص عند مذهب الذرة وفكرة الكمون ، فيفندها تفنيدا تاما « 2 » ، ولعله كان يصوب إلى بعض أنصارهما من مفكري الإسلام « 3 » . ويحلل نظرية المحبة والغلبة التي قال بها أنبادوقليس ، ويبين ما فيها من من نقص « 4 » . وهو مع هذا يؤيد فكرة العناصر الأربعة ، ويجهد نفسه في دعمها ، ويستشهد بملاحظات وتجارب تثبت تحول بعضها إلى بعض « 5 » . وعنده أن الأسطقسات أجسام بسيطة تتكون منها الأجسام المركبة ، وهي متعددة ومتناهية « 6 » . ويفتن في بيان أنها أربعة لا تزيد ولا تنقص ، وإن عز عليه إثبات ذلك . ويحاول تفسير الكون مفرقا بينه وبين الاستحالة من جانب ، وبينه وبين النمو من جانب آخر . فالكون تحول جوهر أدنى إلى جوهر أعلى ، في حين أن الاستحالة تغير في الكيفية مع بقاء أساس ثابت ؛ ففيها موضوع محسوس تطرأ عليه صفات جديدة ، بينما
--> ( 1 ) ابن سينا ، الكون والفساد ، القاهرة 1968 ، ص 77 - 85 . ( 2 ) المصدر السابق ، 89 - 94 ، 101 - 111 ، 112 - 121 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص ( ط ) ( 4 ) المصدر السابق ، ص 112 - 113 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 122 - 124 ( 6 ) المصدر السابق ، ص 147 .