أبو علي سينا
مقدمة الفن الثاني 13
الشفاء ( الطبيعيات )
منحى أقرب إلى التركيز منه إلى البسط والتفصيل ، يعنى بالمبادئ أكثر مما يعنى بالجزئيات . ويسلم بقدر منها مشروح في مظانه ، ولا داعى لأن يعود إلى شرحه ، كملازمة الصورة للمادة ، ووحدة العالم ، ونهائيته ، وقدمه . وكأنما يخاطب مشائين يعرفون أصول المذهب الأرسطي ، فهم في غنى عن أن نوضح لهم . يشير إلى الملاحظة وينوّه بالأرصاد ، ولكنه يعول خاصة على البرهنة العقلية . ويستعين كعادته بالقسمة المنطقية التي تقود إلى نتيجة ملزمة ، وتمكن من إفحام الخصوم . ومع هذا ، يلتزم الإنصاف في جدله ، فإن رأى أن حجته واهية لم يتردد في الاعتراف بذلك . فيقول مثلا لأنصار النار فيما أصر من مفاضلة بين النار والتراب : « لا القول الذي قالوه ، ولا الجواب الذي أجبنا به من جنس الكلام البرهاني « 1 » » . وقد يقع في شئ من الاستطراد ، ثم يتدارك ويعود إلى ما كان فيه « 2 » . ومؤلفه على كل حال أشد ضبطا وأحسن تنسيقا من « كتاب السماء » . والأجسام في رأيه ضربان : بسيطة وهي ما كانت حركتها دائرية ، ومركبة وهي ما كانت حركتها غير دائرية « 3 » . ومنها خفيف يصعد إلى أعلى ، وثقيل ينزل إلى أسفل « 4 » ، والحار خفيف عادة ؛ والبارد ثقيل « 5 » . والحركة الصاعدة تتجه نحو السماء ، والهابطة تنزل إلى الأرض « 6 » . والسماء هي الجرم المحيط بالأرض ، وهي بسيطة ومتناهية ، وشكلها كروى « 7 » . تتحرك بطبيعتها حركة مستديرة ، والحركات الدائرية أكمل الحركات « 8 » . والسماء قديمة وإن تكن مبدعة ، فهي لا تقبل الكون ولا الفساد « 9 » . وفيها أفلاك وكواكب ، وكلها متحركة ، تتحرك من الشرق إلى الغرب ، أو بالعكس ؛ ويظهر أن ابن سينا لا يسلم بأن الكواكب الثابتة في كرة واحدة « 10 » . والكواكب مختلفة في ألوانها وحركاتها ، منها مضىء بنفسه كالشمس ، ومنها ما يستمد ضوءه من غيره كالقمر « 11 » ، ويذهب إلى أن هناك كواكب لا تستمد ضوءها من الشمس « 12 » . ويستنكر ما ذهب إليه بعض نصارى بغداد من أن سواد القمر يرجع إلى جانبه الذي لا يقابل الشمس « 13 » .
--> ( 1 ) ابن سينا - السماء والعالم ، القاهرة 1968 : ص 54 . ( 2 ) المصدر السابق ، انظر مثلا ص 49 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 7 ، 11 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 22 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 15 . ( 6 ) المصدر السابق ، ص 16 . ( 7 ) المصدر السابق ، ص 16 . ( 8 ) المصدر السابق ، ص 37 . ( 9 ) المصدر السابق ، ص 34 . ( 10 ) المصدر السابق ، ص 46 . ( 11 ) المصدر السابق ، ص 37 . ( 12 ) المصدر السابق ، ص 48 . ( 13 ) المصدر السابق ، ص 44 .