أحمد بن محمد الخفاجي
203
تفسير آية المودة
الحال الثاني / 70 / ب / أن لا يريد اللَّه به خيراً فلا يتيسّر له موادّ التطهير فيلقاه يوم القيامة بمادّة خبيثة ومادّة طيّبة وحكمته تعالى [ تأبى ] أن يجاوره أحد في دار كرامته وهو متّصف بجنايته فإن كان قابلًا للتطهير من غير إدخاله النار طهّره اللَّه عزّ وجلّ بما شاء بسبب شفاعة أو غيرها ثمّ يدخله الجنّة وإلّا أدخله النار طهرةً له وتصفيةً ليميز الخبيث من الطيّب فإذا خلصت إيمانه ؟ من الخبث وانفصل عنه خبثه في دار الخبث [ و ] منزل الخبيثين صلح حينئذٍ لجواره ومساكنة الطيّبين من عباده ؛ وإقامة هذا النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطؤها فأسرعهم زوالًا وتطهيراً أسرعهم خروجاً وأبطؤهم أبطأهم جزاءاً وفاقاً وما ربّك بظلّامٍ للعبيد ؛ إنّ مادّة الخبث إذا غلبت في شخص واستحكمت فالميسّر له عمل أهل الخبث فكان مظهراً للأفعال الخبيثة الّتي هي عنوان الشقاوة وبضدّه من غلبت واستحكمت فيه مادّة الطهارة كما يشير إليه قوله صلى اللَّه [ 71 / أ / ] عليه وسلم : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » ولهذا لمّا مرّ بجنازة فأثنوا عليها خيراً قال صلى اللَّه عليه وسلم : « وجبت وجبت » أي الجنّة . ولمّا مرّ بالأخرى فأثنوا عليها شرّاً قال : « وجبت وجبت » أي النار . وفي رواية لأنس : فسئل يعني النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم عن ذلك فقال : إنّ للَّه ملائكة في الأرض ينطقون على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشرّ . رواه الديلمي وغيره وأخرجه الحاكم في [ كتاب ] الجنائز من صحيحه وقال : صحيح على شرط مسلم « 1 » . ولم تزل سنّة اللَّه في عباده جارية بإطلاق الألسنة بالثناء والمدح للطيّبين الأخيار وبالثناء والذمّ للخبيثين الأشرار ليميز الخبيث من الطيّب أيضاً في هذه الدار . فعن ابن عمر « رض » قال : بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى « رض » إلى اليمن قال : فخطب الناس معاذ فحثّهم على الإسلام و [ على ] التفقّه والقرآن وقال : [ أ ] أخبركم بأهل الجنّة وأهل النار ؟ إذا ذكر الرجل بخير فهو من أهل الجنّة وإذا ذكر بشرّ فهو من أهل النار . رواه الطبراني في [ المعجم ] الأوسط ورجاله موثّقون ؛ ومثله لا يقال من قبل الرأي فيكون مرفوعاً وحينئذٍ فإطلاق ألسنة الخلق الّتي هي أقلام الحقّ بشيء / 71 / ب / في العاجل دليل وعنوان على ما يكون في الآجل ولذا جاء في الحديث الصحيح : « أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه . قال صلّى اللَّه عليه وسلّم تلك عاجل بشرى المؤمنين « 2 » .
--> ( 1 ) - المراد من صحيح الحاكم هو كتاب المستدرك ؛ والحديث مذكور معناً في كتاب الجنائز من المستدرك : ج 1 ، ص 364 وليلاحظ أيضاً ص 377 منه . ( 2 ) - رواه مسلم وابن ماجة وأحمد في مواضعٍ من المسند بأسانيدهم عن أبي عمران الجوني ، عن عبد اللَّه بن الصامت ، عن أبي ذرٍّ ، عن النبي ( ص ) قال : قيل له : أرأيت . . .