أحمد بن محمد الخفاجي

202

تفسير آية المودة

قال بعضهم : ومنشأ ذلك اجتماع مادّتي الطيّب والخبيث في الشخص الواحد فيميل الواحد إليه بعض الطّيبين لطيبه وعكسه ؛ فإنّه قد يكون في الشخص الواحد مادّتان : الطيّب والخبيث فيصدران منه ويميل لكلّ منهما ويقع الميل إليه لأجلهما من أصحاب الوصفين ؛ وهذا الشخص له حالان : الحال الأوّل أن يريد اللَّه به خيراً فيطهّره من المادّة الخبيثة قبل الموافاة حتّى لا يحتاج إلى دخول النار لتطهّره فيلهمه اللَّه عزّ وجلّ التوبة النصوح وفعل الخيرات أو يصاب المصائب المكفّرات وأنواع البليّات فيتطهّر من مادّةٍ خبيثة مع كراهته لما نزل به ؛ وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) [ 216 / البقرة : 2 ] فيكره العبد ما يصيبه من البلاء مع ما يترتّب عليها من الثمرات والمزايا ؛ ولهذا كان الأب الشفيق يسوق لابنه الحجّام والطبيب الناصح ليعالجه / 70 / أ / بالمراهم الجادّة المؤلمة ؟ ولو أطاع [ الوالد ] لما حصل الشفاء وقد رأى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إمرأةً معها ولدها فقال أترون هذه طارحة ولدِها في النار ؟ قالوا : لا يا رسول اللَّه فقال صلى اللَّه عليه وسلم : اللَّه أرحم بعبده المؤمن من هذه لولدها وقال اللَّه تعالى : ( وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) [ 43 / الأحزاب : 33 ] فكلّ ما يصيب المؤمن من أنواع البلاء في الحياة الدنيا وكذا بعدها من ضغطة القبر وعذابه وأهوال القيامة ؛ جميعه لما اقتضته الحكمة من التطهيرات ورفعة الدرجات ؛ ألا ترى أنّ البلاء يخمد النفس ويذلّها ويدهشها عن طلب حظوظها ولو لم يكن من البلاء إلّاوجود الذلّة ومع الذلّة تكون النصرة قال تعالى : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) [ 123 / آل عمران : 3 ] وهذا مما لا يفهمه إلّاأولوا البصائر جعلنا اللَّه تعالى وإيّاكم منهم . ومن تحقّق بعلم ذلك اتّضح له باب الرضا والتسليم لربّه عزّ وجلّ ولهذا قال بعض الفضلاء العارفين : لو كشف للمبتلى عن سرّ سريان الحكمة في البلاء لم يرض إلّا بالبلاء .