الشيخ علي المشكيني

63

رساله هاى فقهى و اصولى

ليعينهم به عن أن يصيروا في موضع الذلّ والمسكنة ، كما في أخبار الباب . فلو قلنا بالتحليل مطلقاً - كما هو ظاهر بعض تلك الأخبار ، ومدّعى أصحابنا المستدلّين بها - لزم بطلان حكمة التشريع ، مع كون ولاية الإمام عليه السلام باقية على الامّة في الظاهر أيضاً ، ولو ببعض مراتبها ؛ بل لا مناصَ عن القول ببقائها فيما بين الامّة عقلًا ونقلًا ؛ كيف وهم قد نصبوا تارةً من شيعتهم قاضياً ، وأخرى حاكماً ، وثالثة فقيهاً مُفتياً ؛ وبقاء الولاية مستلزم لبقاء ما شرّعه اللّه لها من الحكم والحقّ ، ليسدّد أمرها ، ويصلح شأنها ؟ ! وقد علمتَ أنّ هذا الحقّ المالي من شؤون الولاية ، وحقّ ماليٌّ إلهيٌّ لتلك الرئاسة والأمارة ، كما نطقتَ به الأخبار . وكذلك لا يُعقل تشريع حقّ السادة لمراعاة حالهم في مدّة محدودة - كحال الحضور مثلًا - ثمّ يدعهم الشارع ، وحالهم يتكدّون بين الناس ، ويعيشون بذلّةٍ وهوان ؛ فالقول بالإباحة المدّعاة مخالف لحكمة التشريع . مع أنّ ملاحظة تاريخ تلك العصور تكشف عن وجه التحليل كشفاً ، وتبيّن علّته بياناً يورث العلم بعدم كون التحليل حكماً شرعيّاً دائميّاً ؛ إذ المتأمِّل في حوادث عصر الأئمّة عليهم السلام يحصل له اليقين بأنّه كان عصر حكومة الجور والفساد وقرن الاستبداد والاستبعاد واستيلاء الجائرين المتفرعنين ، فلم يكونوا يراعون في مقام حفظ رئاستهم أيّة حرمةٍ للَّه‌و لرسوله ، ولم يبالوا بسفك أيّ دمٍ ، وهتك أيّ حريمٍ ، وقطع أيّ رَحمٍ . وهذا مولانا الصادق عليه السلام يقرأ للمنصور العبّاسي قوله تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ، « 1 » فكانوا يأخذون الأبرياء بالظنّة ، ويقتلون بالتُّهمة ، وكانوا يرون لأنفسهم مقام ولاية الأمر والإمارة على جميع المسلمين والمؤمنين ، وكانوا متصدّين لجميع شؤون الولاية والحكومة ، من إقامة الجُمُعات ، وأخذ الأخماس والزَّكوات ، وجباية الخراج والمقاسمات ، وتجنيد الجُنود ، وتجييش الجيوش ، والجهاد مع الكفّار للدعوة إلى الإسلام ، وإقامة الحدود ، وغير ذلك .

--> ( 1 ) . محمّد ( 47 ) : 22 . وراجع : تأويل الآيات ، ص 572 .