الشيخ علي المشكيني

66

رساله هاى فقهى و اصولى

ثمّ إنّ وصول التكليف إلى هذه المرتبة لا يكون إلّابوجود علّته التامّة المركّبة من المقتضي ووجود الشرائط وانتفاء الموانع . ومن جملة الشرائط قيام الحجّة على التكليف من العلم والأمارة أو الأصول المحرزة ؛ فلا فرق بينه وبين سائر الشرائط الخاصّة ، كالاستطاعة لوجوب الحجّ ، والوقت لوجوب الصلاة ، ونحوهما . فما لم تجتمع الشرائط ، لم يكن التكليف فعليّاً ؛ فلو علم بوجوب الحجّ ، ولم يكن مستطيعاً ، أو كان مستطيعاً ولم يعلم ، فالتكليف لا يكون فعليّاً ، ولا منجّزاً . وأمّا على مسلك صاحب الكفاية فللتكليف مراتب أربع - بل خمس - منها مرتبة أخرى للتكليف بعد الفعليّة ، وهي : مرتبة التنجّز ؛ فإنّ الفعليّة هي بلوغ التكليف إلى حَدّ تحقّقت الإرادة والكراهة من المولى بالنسبة إلى متعلّقه ، لكن لا يلازمه التنجّز بمعنى مؤاخذة المكلّف أو إثابته عليه . وبعبارة أخرى : فرق بين جميع الشرائط غير العلم وبين العلم ؛ فإذا تحقّق جميع الشرائط غير العلم ، صار التكليف فعليّاً ، وتحقّقت الإرادة والكراهة على وفقه ؛ لكنّه غير منجّز إذا لم تقم الحجّة عليه ، كما في صورة الجهل القصوري والقطع بالخلاف كذلك ، وكما في موارد قيام الأمارات على خلافه ، لا سيّما إذا فرضنا أنّها أكثر إصابة من العلوم الحاصلة للمكلّف ، أو مساوٍ لها ؛ فالتكليف في هذه الموارد فعليٌّ ، بمعنى تحقّق الإرادة والكراهة ممّن ينشأ التكليف ؛ لكنّه غير منجّز . وذلك لما ذهب إليه من أنّه : لم يصدر من المولى حكمٌ آخر يناقض الأوّل حتّى يرد إشكالات ابن قبّة « 1 » ؛ بل مجرّد الحكم الوضعي المنشأ لمصلحة في نفسه ، أو حكم طريقيّ إرشاديّ كذلك . نعم ، في موارد الأصول العمليّة ، قد صدر من المولى حكمٌ تكليفيٌّ بعثيٌّ أو

--> ( 1 ) . هو محمّد بن عبد الرحمن بن قبّة ، من أقدم فقهائنا ، لم ينقل عنه في كتب الأصول والكلام إلّااستحالة التعبّد بالأمارة الغير العلميّة ، ونسب له : « لو جاز الإخبار عن النبي صلى الله عليه وآله ، لجاز الإخبار عن اللّه تبارك وتعالى » . انظر للمزيد : فرائد الأصول ، ج 1 ، ص 40 ؛ تحريرات في الأصول ، ج 6 ، ص 223 ؛ أجود التقريرات ، ج 2 ، ص 63 ؛ أوثق الوسائل ، ص 59 . .