الشريف الرضي

355

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

فان قال قائل : إن اللعن قد كان مخصوصا بهم قبل نزول هذه الآية والوعيد على الفعل لا بد من أن يتضمن أمرا مجددا . قيل له : إن لعنة الله تعالى لهم من بعد ظهور هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في خزيهم وأبلغ في ألم قلوبهم ، فتكون الزيادة في ذلك هي المتجددة وهي الفائدة المرادة . 9 - وقال بعضهم : الوجوه ههنا استعارة وتمثيل ، والمعنى من قبل أن نضلهم عن طرق الثواب جزاء لما هم عليه من الكفر والعناد ، وهذا كما يقول القائل : إن فلانا رد وجهي عن حاجتي وصرف وجهي دون بغيتي ، وليس هناك على الحقيقة وجه يصرف ولا يد تصرف ، وإنما المراد أنه رده عن طلبته وحال بينه وبين بغيته . 10 - ويجوز عندي في ذلك وجه آخر ، وهو أن يكون المراد بالوجوه ههنا غير هذه الأبعاض المخصوصة ، بل تكون محمولة على معنيين : أحدهما ، أن يكون المراد بها أماثل القوم ورؤساءهم كما يقال : هؤلاء وجوه القوم ، أي : المعتمد عليهم من بينهم والمنظور إليهم من جميعهم . والمعنى : من قبل أن نهلك رؤساءكم ومتقدمي دينكم أو نلعنهم ، وإنما جاء تعالى بلفظ الطمس كناية عن الاهلاك ، لأنه أشبه بذكر الوجوه من لفظ الاهلاك . وهذا من الاغراق في منازع الفصاحة ، والاحكام لمعاقد البلاغة . ومما يكشف عن ذلك قوله تعالى بعد ذكر الوجوه : ( أو نلعنهم ) ، ولو حمل الكلام على ظاهره لكان ( أو نلعنها ) ، فقوي أن المراد بالوجوه ما ذكرنا . وقوله تعالى :