الشريف الرضي
356
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
( فنردها على ادبارها ) اي : نركسها ونرديها ، وعلى ذلك قوله تعالى : ( أما فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . . ) ( 1 ) وقوله سبحانه : ( ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله . . ) ( 2 ) ، والمراد الارتكاس في الغي والرجوع عن الرشد ، ولفظ الاعقاب مجاز ، وليس هناك على الحقيقة أقدام ترجع على أعقابها ، ولا وجوه ترد على أدبارها . والمعنى الآخر ، أن يكون المراد بالوجوه ههنا الأعيان والذوات ، لا الأعضاء والأبعاض ، كما يقال : هذا وجه الامر وهذا وجه الرأي ، والمراد به نفس الشئ المؤمى إليه ، فيكون المعنى أيضا قريبا مما قلناه في الوجه المتقدم ، أي : آمنوا من قبل أن نهلك أعيانكم وذواتكم ونركسكم على أدباركم . وإنما عبر تعالى بالطمس عن الاهلاك والاركاس ، لما جاء بلفظ الوجوه ، إزواجا للكلام وجريا على سنن عادات أهل اللسان ، كما قلنا في الوجه الأول ، ومما يشهد لذلك تأويلنا قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) [ 3 ] على أن المراد به الجمل والذوات ، لا الأبعاض المخصوصات ، لأن هذه الصفة تليق بجملتهم لا لأبعاضهم ، لان البعض [ 4 ] لا يكون ناظرا ، كما لا يكون فاعلا ويزيد ذلك بيانا قوله تعالى من بعد : ( ووجوه يومئذ باسرة 24 تظن أن يفعل بها فاقرة 25 ) فعلق سبحانه بها الظن الذي لا يليق إلا بالجملة
--> ( 1 ) آل عمران : 144 . ( 2 ) الانعام : 71 . ( 3 ) القيامة : 23 . ( 4 ) وفي ( خ ) : التبعيض .