الشريف الرضي
333
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
7 - واما أبو علي فإنه يؤول قوله تعالى : ( ولا يكتمون الله حديثا ) على وجهين : أحدهما ، أنهم لا يكتمون الله تعالى في الآخرة أمرهم عند ظهور الشهادات والامارات ونطق الأعضاء الصامتات ، فلا بد مع ذلك من وقوع الاعتراف والاقرار والتسليم والاذعان . والآخر ، أنهم لا يكتمون الله تعالى أحوالهم في الدنيا ، بمعنى ان ذلك لا يتأتى لهم ، لأنه تعالى المطلع على السرائر والمستبطن للضمائر ، فكان في هذا القول تحذير لهم من استعمال الرياء وإضمار النفاق وابطان الأمور المنكرات ، فان ذلك وإن صح كتمانه عن العباد فلا يصح كتمانه عن رب العباد . فإن كان قوله تعالى : ( ولا يكتمون الله حديثا ) داخلا في باب تمنيهم - على قول من قال ذلك - فالمراد انهم تمنوا يوم القيامة ان يكونوا لم يكتموا الله تعالى حديثا في الدنيا ، لان في الآخرة لا يصح منهم كتمان حديثهم وقد أصحرت السرائر وظهرت الضمائر ، فلا وجه لتمني ذلك منهم . فان قيل : إذا لم يجز أن يفعلوا في الآخرة القبيح فكيف يجوز منهم أن يتمنوا ما لا يكون ! . فجوابه : أن تمنيهم لما لا يكون لا يقبح منهم فلا يجب ان يمنعوا منه بالالجاء لفعل القبيح ، وربما كان التمني زائدا في الحسرة ومضاعفا للغصة ، وهذا كقوله تعالى : ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ) ( 1 ) لأن هذه الإرادة لا يكاد ينفعك منها من عركه البلاء وعضته الضراء ، فكذلك لا يكاد ينفك من مثل التمني المقدم ذكره .
--> ( 1 ) المائدة : 37