الشريف الرضي

321

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

فيما فرض ، وغفورا رحيما فيما فعل ، وعليما خبيرا فيما أخبر ، وأشباه ذلك . وقد ذكر لنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني النحوي في ذلك وجها آخر ، قال : إن العادة قد جرت إذا مدح الانسان أو تمدح أن يذكر أسلافه وقديمه وبينه وأوليته ، أو يذكر له ذلك ، كما قال عدي بن زيد : نحن كنا قد علمتم قبلكم * عمد البيت وأوتاد الإصار [ 1 ] يعني : أن أحد أجداده قد ملك العرب قبل ملك النعمان بن المنذر الذي خاطبه بهذا الشعر ، وحديث ذلك يطول ، وكما قال الفرزدق عند تعديده مفاخر آبائه ومآثر أسلافه : أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع فلما أريد مثل ذلك في الثناء على القديم تعالى ولم يكن له مثل ولا ند ولا أب ولا جد فيقال سلفك كذا وأولك كذا ، عدل عن ذلك إلى ذكر تقادم مجده وملكوته وسلطانه وجبروته ، فقال الراجز مشيرا إلى هذا الغرض : فكنت إذا كنت إلهي وحدكا * لم يك شئ يا إلهي قبلكا وقال سبحانه مريدا هذا المعنى : وكان الله سميعا عليما وعزيزا حكيما ، وغفورا رحيما ، وما أشبه ذلك ، فجعل سبحانه تقادم العهد بوحدانيته وربوبيته مكان ذكر السلف الأول الذي يتعالى عن مثله . وهذا أيضا من الأقوال الغريبة والاستنباطات اللطيفة وقد مضى من الكلام في هذه المسألة ما فيه كفاية وبلاغ بحمد الله .

--> ( 1 ) الإصار بالكسر الحبل الذي يشد به أسفل الخباء .