الشريف الرضي
288
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ) [ 1 ] والمراد : فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم ، وكقوله تعالى : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين ) [ 2 ] والمراد : ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتكون من الظالمين ما عليك من حسابهم من شئ فتطردهم ، فأخر ( فتكون ) وهو مقدم في المعنى ، وقدم ( فتطرد ) باللفظ وهو مؤخر في المعنى . وقد ذكر هذا الوجه أبو جعفر الإسكافي من المتكلمين ، وأبو الحسن الأخفش من النحويين . وهذا القول لا يسوغ على قراءة من قرأ : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ) بفتح الهمزة ، لان التقدم والتأخر لا يغير الكلام عما هو عليه فيما يستحقه الاعراب والبناء ، كما أنك إذا قلت : ضرب زيد عمرا ، وكان زيد فاعلا كان مرفوعا في التقديم والتأخير ، وكان المفعول منصوبا كذلك ، فلم يكن للتقديم والتأخير تأثير فيما يجب من الاعراب للفاعل والمفعول ، فلو كان الامر ههنا على ما ذكر من التقديم والتأخير ، لوجب أن تكون القراءة بفتح الهمزة في إنما الثانية وكسرها في إنما الأولى ، لان وقوع فعل لا يحسبن على الثانية ههنا ، فكأنه تعالى قال : ( لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما - بفتح الهمزة - إنما نملي لهم خير لأنفسهم - بكسرها - ) ، وكان يجب أيضا أن يكون خير ههنا منصوبا مع كسرهم إنما ، فلما لم يجز
--> ( 1 ) النمل 28 . ( 2 ) الانعام : 52 .