الشريف الرضي
280
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
3 - وقال بعضهم : إن المراد بذلك : ( ولا يحسبن الذين كفروا أن تبقيتهم إذا ضامها [ 1 ] الاصرار على الكفر تكون خيرا لهم ) ، فكأنه تعالى نفى أن تكون التبقية مع شغلهم لها بالكفر خيرا لهم ، وإن كانت خيرا في نفسها ، ولكنهم بما اختاروه من الارتكاس في الغواية والاصرار على الضلالة أثروا بالتبقية ، فأخرجوها عن صفتها وعكسوها عن طريقتها [ 2 ] ، فجعلوها شرا عليهم ، وإن كان سبحانه إنما أراد بها الخير لهم ليتوبوا ويقلعوا ويثيبوا ويرجعوا ، فكانوا كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا . . . ) [ 3 ] ، وذلك كقول القائل لغيره - وقد منحه الأموال العظيمة والرغائب الجسيمة ، فصرف ذلك في المحارم والمعاصي - : ( إن الذي منحتك شر لك ووبال عليك ) ، لما صرفه في الوجوه العائدة عليه بذلك ، وإن كان المعطي منعما والمانح محسنا مجملا ، فبين تعالى أن حال الكافرين بما اختاروه في مدد أعمارهم ، من التقاعد عن الجهاد والنكوص عن الأعادي ، ليست بخير لهم من حال المؤمنين الذين ثبتوا على الدفاع عن دينهم وأصيبوا في سبيل ربهم ، لان حال من أقعد عن الجهاد وثبط عنه خلاف من ثبت عليه ورغب فيه . وما سبق من الآيات التي وردت أمام هذه الآية تدل على أنها واردة في معنى الجهاد ، فأراد سبحانه أن يبين لنا أن بقاء الكافرين في الدنيا ، وهو إملاء الله تعالى لهم ليس
--> ( 1 ) ضامها : جمعها إلى نفسه . ( 2 ) وفي ( خ ) : طريقها . ( 3 ) إبراهيم : 28 .