الشريف الرضي

274

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

بالذكر ، لان المعلوم من حاله أنه يخوف سائر من يتمكن من تخويفه ، ولكن أولياءه لما اختصوا بالقبول منه صار ذلك خاصا لهم ، لان من لا يتولاه إذا لم يقبل خديعته لم يسم خائفا منه . فان قيل : فإذا كان المعنى على هذا التأويل المذكور خيرا ، فما معنى قوله تعالى : ( فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين ) ؟ ، وإنما كان ذلك خطابا مستقيما على التأويل الأول الذي معناه تخويف المؤمنين من المشركين ! ففي ذلك جوابان : أحدهما ، أن يكون قوله تعالى ( فلا تخافوهم ) عائدا على القوم الذين بهم خوف الشيطان أولياءه وهم المشركون ، لان الشيطان إنما يخوف المنافقين والضعفة من المسلمين بشدة شوكة المشركين وكثرة عددهم ووفور مددهم ، ولا يكون مع هؤلاء القوم من قوة الدين واشتداد معاقد اليقين ما يعتصمون به من كيده ، وينفون به خواطر وسوسته ، بل يصغون إلى قوله ويضعفون في يده ، ويكونون في ذلك بخلاف الصفة التي يكون المؤمنون عليها ، كما ذكرنا أمام كلامنا هذا ، فيصح حينئذ معنى قوله تعالى للمؤمنين : ( فلا تخافوهم ) إذا كان عائدا على المشركين . والجواب : الآخر : أن يكون الشيطان ههنا بمعنى الجنس ، أي : لا تخافوا هذا القبيل من الجن ، وهذا كقوله تعالى : ( والعصر إن الانسان لفي خسر ) ، ثم استثنى سبحانه الذين آمنوا من الجملة ، فقال : ( إلا الذين آمنوا ) ، فدل على أن الانسان ههنا بمعنى الجمع . فان قيل : فكان يجب أن يكون وجه الكلام على قولكم إنما