الشريف الرضي

255

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

فليس بدليل لهم على أن الرؤية هي النظر لان النظر لو كان بمعنى الرؤية لكان في قوله : ( نظرت ) دليل على أنه قد رأى ، وكان قوله بعد ذلك : ( فلم تنظر بعينيك منظرا ) مناقضه ، ولكن قوله : ( نظرت ) الأول خارج على حقيقته ، وهو تقليب الحدقة في جهة المرئي طلبا لرؤيته ، وقوله : ( فلم تنظر بعينيك منظرا ) يحتمل وجهين : أحدهما ، أن يكون سمى الرؤية نظرا على طريق المجاز والاتساع ، ولان النظر سببها وطريقها ، فجاز أن تسمى باسمه ، ولذلك نظائر كثيرة قد أشرنا إليها في عدة مواضع من هذا الكتاب . والوجه الآخر ، أن يكون مخرج النظر على حقيقته أيضا ، وأراد أنك قلبت طرفك فتعذر عليك تقليبه في جهة [ 1 ] المرئي ، لغلبة الدمع على عينيك ، فلم يصح لك النظر المفضي إلى الرؤية ، وهذا على مثل قول الآخر [ 2 ] : نظرت كأني من وراء زجاجة * إلى الدار من أعلام مية ناظر وقال بعضهم : معنى ( فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) أن ذلك كان قريبا منكم وبمرئى من عيونكم ، لان النظر فيه معنى المقاربة ، وكأنه تعالى قال : ( فقد رأيتموه وأنتم تقربون منه ) ، ومثل ذلك قولهم : دور بني فلان تتناظر ، أي تتقابل وتتقارب ، وهذا مذهب المبرد في هذه الآية . وقال الأخفش : النظر ههنا بمعنى الرؤية ، وأنما كرره تعالى توكيدا وتشديدا . قال : وذلك كقوله تعالى : ( فإنها لا تعمى

--> ( 1 ) وفي ( خ ) : وجه . ( 2 ) ينسب لأبي حية .