الشريف الرضي

204

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

وقال قاضي القضاة أبو الحسن - حرسه الله - : قد جوز بعضهم دخول النسخ في ذلك ، بأن يكون الاتقاء اللازم مغلظا ، فيخفف عنهم ، ويكون المراد بحق تقاته التشديد والتغليظ عليهم ، والمراد بقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ، أي : بقدر ما تطيقونه ولا يجحف بكم ، ويكون ذلك مطابقا لقوله تعالى : ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم . . . ) [ 1 ] ، كناية عن تسهيل التكليف وتحميل العبء الخفيف ، وعلى ذلك قوله عليه السلام : ( بعثت بالحنيفية السمحة ) . قال : وهذا القول بعيد ، لان الذي يجب أن يتقي [ 2 ] - إذا كانت حاله ثابتة كحاله أولا - لم يجز أن يختلف التكليف فيه بالتثقيل مرة وبالتخفيف تارة ، وليس ذلك كالنسخ ، لان النسخ يسقط وجوب أشياء كانت واجبة من قبل ، فالنسخ إذن يكون داخلا في هذه الواجبات ، لا في الاتقاء ، كما لو نقص من الصلاة والواجبة بعضها ، ( و 3 ) لم يكن النسخ داخلا في الايمان [ 4 ] ، وإنما يدخل في هذا الفرض خاصة . وبعد ، فان الذي قاله زيادة على الظاهر ، لان قوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) و ( حق تقاته ) لا يفهم منها بحكم العقل إلا مراد واحد ، فلا يجوز اذن دخول النسخ فيما هذه حاله ، ولا وجه لحمل ذلك على التوكيد ، وله مساغ في زيادة فائدة

--> ( 1 ) الأعراف : 157 . ( 2 ) وفي ( خ ) : تبقى . ( 3 ) زيادة في بعض النسخ : وهي الصحيحة . ( 4 ) مراده من الايمان : الاتقاء المأمور به .