الشريف الرضي
190
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
كلامهم ، وإن كان جنس ما يعقل في اللفظ المذكور أقل من جنس مالا يعقل ، ألا ترى أنه تعالى في هذه الآية جاء بثلاث صفات : واحدة منها يختص بها ما يعقل ، واثنتان يختص بهما ما لا يعقل . وفي الناس أيضا من ذهب في هذه الامن إلى العموم من وجه آخر وهو : أنه حمل قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) على البيت خصوصا ، لا على المسجد والحرم ، وحرم أن يقام الحد عليه في نفس البيت ، فحمل الكلام على عمومه في كل جان إذا اعتصم به ولجأ إليه . وقال قاضي القضاة أبو الحسن : قد ظن بعضهم أن قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) لا يجوز أن يكون خبرا لأنه لو كان كذلك لوجب ألا يوجد مخبره على خلافه ، فأوجب من هذا الوجه أن يكون تعبدا وأمرا . وهذا بعيد ، لان الخبر قد يجوز ان يختص [ 1 ] - كما يجوز ذلك في الامر - وقد يدخله الشرط ، فما الذي يمنع أن يجعل ذلك خبرا ! إلا أن يثبت بالدليل خلافه ، ومما يبين [ 2 ] أنه لا ظاهر لذلك أن العبد لا يخلو من خوف ، فلا يصح أن يوصف بأنه آمن على الاطلاق ، وما هذه حاله من الأوصاف لابد أن يكون في حكم المجمل المحتاج إلى البيان . وقال بعض العلماء : لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله تعالى : ( ان أول بيت وضع للناس ) موجودة في جميع الحرم ، ثم قال سبحانه : ( ومن دخله كان آمنا ) ، وجب أن يكون مراده بذلك جميع الحرم ، واستدل على ذلك بقوله تعالى : ( أولم نمكن لهم حرما آمنا
--> ( 1 ) وفي ( خ ) : يخص ( 2 ) وفي ( خ ) : يتبين