الشريف الرضي
187
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
فصل ( ومن دخله كان آمنا ) واختلف الناس في قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) ، فبعض العلماء ذهب إلى أنه أمان كان وانقطع ، وبعضهم ذهب إلى أنه أمان مستمر غير منقطع ، ثم اختلفوا : فمنهم من يقول : إنه أمان على الخصوص ، ومنهم من يقول : أمان على العموم ومنهم من جعله من جملة الآيات وتفسيرا لما أجمله تعالى من قوله : ( فيه آيات بينات ) ، ومنهم من جعله ابتداء حكم . واختلفوا بعد ذلك : فمنهم من جعله خبرا ، ومنهم من جعله تعبدا وأمرا . فمن قال : إن هذا الأمان إنما كان في الجاهلية دون الاسلام ، فإنما عنى به دفع الله سبحانه عن ساكنه وداخله ظلم الظالمين واعتداء الجبارين ، وما وقص [ 1 ] تعالى من رقاب البغاة دونه ، وجذ [ 2 ] من أيدي الظلمة عنه ، حتى أن ذلك كالعادة المستمرة : تجري على اتساق وتسري بلا انقطاع وتستبطأ إذا تأخرت بعض التأخر ، ثقة بأنها جارية على أذلالها [ 3 ] وواقعة على عاداتها ، لا شك في ذلك وإن أبطأت يسيرا وجنحت قليلا . وقال أيضا صاحب هذا القول : ( إن الله سبحانه جعل أمن من دخله - على ذلك العهد - من الانس والوحش ، آية
--> ( 1 ) وقص رقبته : كسرها . ( 2 ) الجذ : القطع المستأصل . ( 3 ) : جمع ذل بالكسر ، وهو : المحجة والجادة من الطريق التي وطئت وسهلت ، يقال : الأمور جارية على اذلالها وجارية اذلالها ، اي : على مجاريها