الشريف الرضي

188

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

لإبراهيم ( ع ) عند قومه ، ليزدادوا إيمانا به وتعظيما للبيت الحرام من اجله ، وإنه في ذلك مباين لبيت المقدس وغيره ، لان هذا المعنى من الامن لا يحصل فيه ) . وقد ذكرنا في ما تقدم : أن هذا النظام اختل في الاسلام للعلل التي أومأنا إليها وهتفنا ببعضها ، فصار هذا الأمان - على قول صاحب هذا القول - مما كان فانقطع ، لا مما دام واستمر ومن قال منهم : ( إنه أمان مستمر غير منقطع في الجاهلية والإسلام ) فإنما عنى به أن من دخله - وهو خائف على نفسه من ظلم ظالم أو غشم غاشم - امن على نفسه لما يجب من تعظيم الحرم وإيجاب حرمته وتكريم بقعته وترك ترويع من لجأ إلى ظله واعتصم بحبله ، وهذا من طريق الحكم والامر والتمييز لبقعته من بقاع الأرض ، وأما من جنى الجنايات واستوجب البوار والقصاص ( 1 ) ، فان أمانه فيه غير مطلق ، بل هو بشروط وقيود ، وعلى أوصاف وحدود ، نحن بمشيئة الله نشير إليها ونذكر طرفا منها . ومن قال : ( إنه أمان على الخصوص ) . فإنه يذهب إلى أن ظاهر قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) الخبر ، لأنه كالوصف ، وهو الغرض المقصود ، دون تعريف الاحكام والشروط ، وإذا كان كذلك - ولم يمكن أن يكون قوله تعالى : ( كان آمنا ) محمولا على كل آمن ، لان المتعالم ( 2 ) فيمن دخله أنه لا يأمن من الظلم ولا يأمن من

--> ( 1 ) البوار : الهلاك ، والقصاص أعم منه لأنه قد يكون فيه البوار وقد لا يكون ( 2 ) اي : الذي يعلمه الناس بالتعلم ويستفيدونه بالتجارب والاختيار .