الشريف الرضي

182

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

أي : جماعة هذه صفتهم . * * * قال بعضهم : ومن آيات الحرم التي لا توجد في غيره أن الوحش والسباع إذا دخلته وصارت في حدوده لا يقتل بعضها بعضا ، ولا يؤذي بعضها بعضا ، ولا تصطاد فيه الكلاب والسباع سوانح الوحش التي جرت عادتها بالاصطياد لها ، ولا تعدو عليها في ارض الحرم ، كما تعدو عليها إذا صادفتها خارج الحرم ، فهذه دلالة عظيمة وحجة بينة على أن الله تعالى هو الذي أبان هذا البيت وما حوله ، بهذه الآية ، من سائر بقاع الأرض ، لأنه لا يقدر أن يجعل هذه البقعة التي ذكرناها ، على ما وصفناه منها ، وأن يحول بين السباع فيها وبين مجاري عاداتها ، وحوافز [ 1 ] طبائعها وعمل النفوس السليطة [ 2 ] التي ركبت فيها ، حتى تمتنع من مواقعة الفرائس ، وقد أكثبت لها [ 3 ] وصارت أخذ أيديها ، بل تأنس بأضدادها ، وتأنس الأضداد بها - إلا الله سبحانه ، لان هذا خارج عن مقدار قوى المخلوقين وتدابير المربوبين . ومن الآيات التي خص الله تعالى هذا الموضع بها مقام إبراهيم ( ع ) في الصخرة ، من حيث ألان الله سبحانه له أصلادها [ 4 ] بعد الصلابة ، وخلخل اجزاءها بعد الكثافة ، حتى أثرت قدمه فيها راسخة ، وتغلغلت سائخة ، كما يتغلغل في الأشياء الرخوة والأرض الخوارة [ 5 ]

--> ( 1 ) جمع حافزة من حفزه : إذا دفعه من خلفه . ( 2 ) الشديدة . ( 3 ) أكثب له وهنه : دنا منه ( 4 ) جمع صلد وهو : الصلب . ( 5 ) السهلة اللينة .