الشريف الرضي
168
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
وواقعا بعيدا ، على أنه الكلام الذي وصفناه بسبق المجارين والعلو على المسامين ، فما ظنك بما دون ذلك من كلام الفصحاء وبلاغات البلغاء ، الذي يكون بالقياس إليه هباء منثورا ، وسرابا غرورا ! . وهذا الذي ذكرناه أيضا من معجزات القرآن إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المفكر ، إذ كان الكلام المتناهي الفصاحة العالي الذروة البعيد المرمى والغاية ، إذا قيس إليه وقرن به ، شال في ميزانه وقصر عن رهانه ، وصار بالإضافة إليه قالصا بعد السبوغ [ 1 ] ، وقاصرا بعد البلوغ ، ليصدق فيه قول أصدق القائلين سبحانه إذ يقول : ( . . . وإنه لكتاب عزيز . لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ 2 ] . وقد ذهبنا عن غرض المسألة بعيدا للداعي الذي دعانا ، والمعنى الذي حدانا ، ونحن نعود إلى عمود القول فيها بإذن الله فنقول : وقد كان بعض من رام كسر المذهب الذي تقدم ذكرنا له عن المبرد واختيارنا طريقته فيه ، سأله عن قول الله سبحانه : ( هذا بلاغ للناس ولينذروا به ) [ 3 ] ، فقال : قد علمنا أن هذه اللام لام كي ، فما معنى إدخال الواو عليها إن لم نقدرها مزيدة ؟ . فقال أبو العباس لسائله : ألست تعلم أن قوله تعالى : ( هذا بلاغ ) مصدر وقوله : ( ولينذروا به ) فعل موضوع في موضع المصدر ، لان الأفعال تدل على مصادرها ؟ !
--> ( 1 ) اي : صار منكمشا منقبضا بعد أن كان طويلا ضافيا ( 2 ) فصلت : 42 . ( 3 ) إبراهيم : 52 .