الشريف الرضي

162

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

الثاني ، فكان كفرهم واقعا بعد التوبة ، فلذلك لم يقبل منهم . وقد يجوز عندي - والله أعلم - أن يكون المراد بذلك ( لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ) أي : لا تقبل توبتهم وهم على هذه الصفة من كونهم ضالين ، فيكون قوله تعالى : ( وأولئك هم الضالون ) حالا ، ولا يكون ابتداء وخبرا ، فنفى تعالى قبول التوبة منهم وهم في حال الضلال ، لان التوبة - كما بينا أولا - لا يجب قبولها إلا مع الاخلاص والتحقيق ، وبقاء العقد والضمير ، ألا ترى إلى قوله تعالى في الآية التي فيها يذكر النساء : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين . . . الآية - 145 ) ، فذكر تعالى بعد ذكر التوبة ، الاصلاح والاخلاص ، لان التوبة إن لم يتبعها ذلك لم تسم توبة ولم تسقط عقوبة . وقد دخلت على بعض العلماء [ 1 ] شبهة ، فزعم أنه لا يجوز أن يكون أراد بقوله تعالى : ( لن تقبل توبتهم ) عند حضور الموت ، وجعل علته في ذلك أن الكافر إذا أسلم قبل موته ولو بطرفة عين ، فحكمه حكم من أسلم قبل ذلك بالأيام الكثيرة والمدة الطويلة : في الصلاة عليه والدفن له ، وفي الموارثة ، وسائر الأحكام الجارية في الشريعة ، وذهب عليه انه قد يجوز تعبدنا بذلك كله فيه مع كونه ملجأ إلى إظهار الايمان ، كما تعبدنا في المنافقين باجراء احكام المسلمين عليهم ، وإن كانوا كفارا بنفاقهم ، فكان العمل على صلاح الظواهر مع العلم بفساد البواطن .

--> ( 1 ) هو : ابن جرير .