الشريف الرضي
161
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
وعموداها اللذان بهما تقوم وعليهما تستقيم ، فإذا أخل بهما أو بواحد منهما كانت التوبة معتلة غير سليمة ، ومعوجة غير قويمة . وقد روي : أن هذه الآية نزلت في قوم ارتدوا مع الحارث بن سويد ابن الصامت الأنصاري ولحقوا بمكة ، ثم راجع الحارث الاسلام ووفد إلى المدينة ، فتقبل النبي صلى الله عليه وآله توبته ، فقال من بقي من أصحابه على الردة : ( نقيم بمكة ما أردنا ، فإذا صرنا [ 1 ] إلى أهلنا رجعنا إلى المدينة وأظهرنا التوبة ، فقبلت منا كما قبلت من الحارث قبلنا ) ، فهذا الخبر يدل على أنهم عزموا على إظهار التوبة بألسنتهم عياذا [ 2 ] ، وليسوا بعاقدين عليها اخلاصا فلذلك قال سبحانه : ( وأولئك هم الضالون ) ، لأنهم لو حققوا التوبة وأخلصوا فيها ، لكانت مقبولة منهم ومحسوبة لهم . يبين ذلك قوله تعالى أمام هذه الآية : ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم - 89 ) ومعنى الاصلاح ههنا : الاخلاص في التوبة ، حتى يكون الباطن كالظاهر والخافي كالعالن ، فأخبر سبحانه أنه لا يقبل من التوبة إلا ما عقدت عليه القلوب والضمائر ، وصدقته الأفعال والظواهر . وقال بعضهم : إنما قال سبحانه : ( لن تقبل توبتهم ) ، لأنهم تابوا من الكفر الزائد ، وثبتوا على الأصل الثابت ، فلذلك كانت توبتهم غير مقبولة . وقيل : بل تابوا من الكفر الأول ولم يتوبوا من الكفر
--> ( 1 ) وفي ( خ ) : عدنا . ( 2 ) اي : التجاء .