الشريف الرضي

92

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

أن الولد قد أخذ مستقره من بطن أمه ، فقال : ( رب أجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا . . 41 ) 4 - وقال أبو علي الجبائي : لم يقل زكريا ذلك ردا على ربه وعلى ملائكته ، ولكنه قال إقرارا بصحته واستعظاما لقدر النعمة به ، إذ جاء على اليأس من الامر المطلوب ، وكان خارجا عن العادة والتقدير . وهذه سبيل من كان آيسا من أمر يريده ، ثم جاء من وجه كان يستبعد مجيئه منه ، أن يقول : كيف كان هذا ؟ وكيف وقع ؟ وما أعجب ما اتفق ! ، فكان قول زكريا ما قاله على هذه الطريقة ، لا إنكارا للقدرة ولا ذهابا مع عارض الشبهة . ونحا أبو مسلم بن بحر هذا النحو وزاد فيه أن قال : إن من شأن من بشر بما كان يتمناه أن يولد له فرط السرور عند أول ما يهجم على سمعه ما يقتضيه ، الاستئناف في المعرفة والزيادة في الاستبانة ، ثم عند إنعام الفكر ومراجعة العقل يعلم أن الله على كل شئ قدير . 5 - وذكر أبو جعفر الطبري عن عكرمة والسدي : أنهما قالا في ذلك : ( إن الملائكة لما نادت زكريا بالبشارة ، اعترض ذلك النداء الشيطان ، فوسوس إليه أن ما سمعه من غير جهة الملائكة وأنه من جهة الشيطان ، ولو كان من الله تعالى لكان وحيا ، فشك حينئذ وقال ما قاله ) . وهذا القول جهل عظيم من قائله ، وقلة بصيرة بمنازل الأنبياء ( ع ) وما يجوز عليهم مما لا يجوز ، لأنهم عليهم السلام تجل أقدارهم عن تلاعب