الشريف الرضي

63

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

الملك ، فاما أن تنزعه عنه بإماتته أو بتغير نعمه ، وتنزع أيضا الملك من الظلمة المتغلبين : بأن تنصر عليهم أولياءك المؤمنين ، وتنقل إليهم دولتهم ، وتزيل بهم نعمتهم ، لأنه تعالى وإن لم يجز أن تؤتى الظلمة الملك ، فجائز ان ينزع منهم الملك . وعنى بقوله تعالى : ( وتعز من تشاء ) ، أي : بالمال والقوة والعديد والعدة ، إذا كانت على طريقة الحق ، لا على وجه التغلب والغضب . وعنى بقوله تعالى : ( وتذل من تشاء ) ، أي : من أعدائك في الدنيا والآخرة ، لأنه تعالى لا يذل أحدا من أوليائه ، وإن أفقرهم وأمرضهم ، وأحوجهم إلى غيرهم ، لان ذلك يفعله بهم ليعزهم في الآخرة ، ويسعدهم في الآجلة ، فليس ذلك باذلال لهم وكيف يكون إذلالا وقد أمر الله تعالى باعظامهم وإعزازهم ورفع منازلهم وأقدارهم ؟ ! ، وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى طريق المجاز ، كما سمى سبحانه لين المؤمنين ذلا بقوله : ( أذلة على المؤمنين ) ( 1 ) ، وهذا خارج مخرج المدح ، وكيف يكون الفقر ذلا وهو من صفة الأنبياء عليهم السلام والصالحين من العباد ؟ ! ، فتجد أحدهم لا يملك إلا القعب ( 2 ) ، والحلس ( 3 ) والحذاء والطمر ( 4 ) ، وهو عند الله سبحانه في أعلى الدرجات ، وفي أعين الناس أهيب من مالكي الأموال وحائزي النعم العظام . 3 - وقال بعضهم : معنى ذلك : أن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه

--> ( 1 ) المائدة : 57 . ( 2 ) : القدح الضخم الغليظ ( 3 ) : ما يبسط في البيت تحت حر الثياب والمتاع ( 4 ) : الثوب البالي