الشريف الرضي

36

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

قرأنا بها لنافع بن أبي نعيم المدني ، وقرأنا للباقين من السبعة يرونهم بالياء معجمة من تحتها . وحكي عن أبي عبيدة : أن من قرأ يرونهم بالياء فإنما أراد : أن المشركين يرون المسلمين مثليهم في رأي العين ، وليس هذا بناقض لقوله تعالى في السورة الأخرى : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ) ، فان تكثير المسلمين في أعين المشركين في بعض المواطن ، إنما يكون لالقاء الرعب في قلوب المشركين وتخويفهم من شوكة المؤمنين ، ليكون ذلك سببا لوهن أيديهم ، وانعكاس مراميهم ، ويكون تقليل المسلمين في أعين المشركين في بعض المواضع للغرض الذي قدمنا ذكره ، وهو غرض صحيح ، وفيه لطف عجيب : وهو أن يراد بذلك التقليل أن يطمع المشركون فيهم ، فيكون ذلك سببا لاقدامهم عليهم ، فإذا وقع الخلاط ( 1 ) والملابسة ، كان النصر للمؤمنين ، والدائرة على الكافرين ، فيتعجلون إزهاق نفوسهم ، واصطفاء أموالهم ، ولم تطل المحاجزة ( 2 ) بينهم ، فيكون في ذلك ضرر على المسلمين ، لتأخير الله سبحانه إنجاز وعدهم بالنصر ، وملء أيديهم من النفل والغنم ( 3 ) ، وهذا غرض بين ، لطف نير . 4 - وحكي عن الفراء : أنه قال : معنى ترونهم مثليهم رأي العين : أن تروهم ثلاثة أمثالهم . قال ( 4 ) ( لأنك إذا قلت : ( عندي

--> ( 1 ) الاختلاط . ( 2 ) : الممانعة والمدافعة . ( 3 ) النفل والغنم : الغنيمة . ( 4 ) قال الفراء : يحتمل قولهم : يرونهم مثليهم : معنى ثلاثة أمثالهم ، لأنك إذا قلت : عندي الف واحتاج إلى مثلها ، فأنت تحتاج إلى مثلين ، لأنك تريد احتياجا إلى مثلها مضافا إليها ، لا بمعنى بدلا منها ، فكأنك قلت : احتاج إلى مثليها ، وإذا قلت : احتاج إلى مثليها ، فأنت تريد : تحتاج إلى ثلاثة آلاف ، وكذلك في الآية : المعنى يرونهم مثليهم مضافا إليهم ، فذلك ثلاثة أمثالهم .