الشريف الرضي

29

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

بهم عنه ويحول بنيهم وبينه ، فنظرنا فوجدنا العقول توجب لمن عدل عن طريق عبادته أن يعدل به عن طريق مثوبته ألا ترى إلى قوله تعالى : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) ( 1 ) ! وليس يعمى في الآخرة عن الايمان ولا يصرف إلى الكفر والضلال ، إذ لا معصية ولا طاعة في الآخرة ، لان العباد أجمع هناك ملجئون إلى معرفة الله سبحانه ، لا خلاف في ذلك ، ولكنه لما كان أعمى في الدار الدنيا - بمعنى الجهل بالحق والتعاشي عن الرشد - أخبر الله سبحانه أنه يعميه عن النظر إلى الجنة ومواقع نعيمها ومطالع سرورها ، بمعنى انه يلفته عن ذلك ويصرفه عنه فوصف تعالى الذهاب في الضلال والاقتطاع عن الثواب ، بأنهما عمى ، [ وكذلك ] ( 2 ) وصف عدول الانسان عن الطاعة والعدول به عن طريق الثواب والجنة بأنهما زيغ . ومما يكشف عن ذلك أن زيغ الزائغين فعل لهم ، وإزاغة الله تعالى لهم فعل له ، فإذا ثبت أن زيغهم عن الايمان علمنا أن إزاغتهم عن الثواب ، وإلا لكان الفعلان واحدا ، وقد علمنا أن جهتي الفعل مختلفتان . فأما قوله تعالى [ فهو في الآخرة أعمى ] فلا يجوز أن يكون أفعل من عمى العين ، لان هذا الجنس مما لا يقع التزايد فيه ( 3 ) ، فلا يقال : هذا أعمى من هذا ، ولا هذا أعور من هذا ، من أجل أن هذه العيوب والألوان خلق في الجسد بمنزلة اليد والرجل وسائر الأعضاء المباينة

--> ( 1 ) الاسراء : 72 . ( 2 ) وفي ( خ ) . ولذلك . ( 3 ) ولان عمى الدنيا ليس ذنبا يجازى به يوم الآخرة ، ولان أضلية السبيل كتفسير للعمى . فهاتان القرينتان المعنويتان تكفيان دلالة على أن العمى هنا ليس عمى العين - اللهم الا ان يراد الأعم في الجزاء يوم الجزاء توهينا له في العقاب ( الصادقي )